لماذا نشتاق إلى برامج الأطفال القديمة؟

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – فادية مجد:

يعود الناس اليوم إلى أرشيف الطفولة، كما يعود القلب إلى نبض قديم يعرفه جيداً، يفتحون المقاطع القديمة، فتتبدل ملامح اللحظة، ويهدأ ضجيج العالم، كأن الزمن يتراجع خطوة، ليعيدهم إلى تلك الأيام التي كانت فيها الشاشة الصغيرة بوابة للدهشة، وملاذاً يمنح الروح راحة لا تجدها في ازدحام اليوم، ذلك الحنين لا يرتبط بعنوان أو حلقة بعينها، بل بما كانت تلك الأعمال تمنحه من بساطة ودفء وصدق.
«الحرية» تواصلت مع عدد من أبناء مدينة طرطوس، حيث حملت الآراء الكثير من الشجن، وكشفت عن علاقة عميقة بين تلك الأعمال وذاكرة جيل كامل.

دفء الطفولة

أفادت المعلمة مريم الخطيب أنها تحنّ كثيراً إلى مسلسل الكرتون «هايدي»، وتصفه بأنه جزء لا يُنتزع من طفولتها، مشيرة إلى أنها كلما شاهدت المروج الخضراء تشعر بأن الهواء يصبح أخفّ، وكأنها تتنفّس للمرة الأولى منذ زمن، وروت أنها أيام صغرها كانت تركض مع هايدي في خيالها، رغم إنها كانت محاصرة بجدران غرفة صغيرة، كما أن ضحكة بطلة المسلسل هايدي كانت تعيدها إلى زمنٍ لم تعرف فيه سوى الفرح، مؤكدة أنها حين تعيد مشاهدة العمل اليوم، تستعيد جزءاً من ذاتها الأولى.

رسائل حب

أما الموظفة فداء علي، فتستعيد ذكرياتها مع مسلسل «ساندي بيل»، تلك الفتاة الطموحة صاحبة القلب الطيب التي تواجه التحديات وتسعى لتحقيق حلمها في دراسة الصحافة في مؤسسة «لوموند» الإعلامية، فتجتهد وتصبح صحفية مشهورة، ورغم ذلك لا تنسى ذكرياتها مع أصدقائها، وتبقى تلك الطفلة المتعاونة المتواضعة المحبة للجميع، رغم فقدان والدها الذي تبناها.

وجع صغير يعلّم التعاطف

وأشارت ربة المنزل هناء يوسف إلى أن مسلسل «ريمي» وشارته المميزة، شكل بالنسبة لها تجربة وجدانية مبكرة، متذكرة أنها كانت تبكي مع الطفل اليتيم ريمي من دون أن تعرف السبب، لكنها اليوم أدركت أن العمل كان يعلّم الأطفال التعاطف قبل أن يفهموا معناه، مبينة أن الألم الذي تحمله قصة ريمي هو أول وجعٍ يختبره جيل كامل، لكنه وجعٌ يجعل القلوب أكبر وأكثر قدرة على الاحتواء، منوهة بأنها كلما أعادت مشاهدة المسلسل، تشعر بأنها تتصالح مع طفولتها، وتعود طفلة تنصت وتتفاعل مع مجريات المسلسل، وكأنها تشاهده لأول مرة.

مغامرة تصنع خيالاً لا يشيخ

وأفاد المحامي حيدر منصور أن مسلسل «جزيرة الكنز» شكل بوابته الأولى إلى عالم الخيال، متذكراً أنه عندما كان يشاهد المسلسل يتخيّل نفسه يبحث عن كنزٍ حقيقي، وأن المغامرة التي يعيشها أبطال المسلسل هو واحد منهم، ولا ينسى شارة المسلسل الجميلة، وأغنية «خمسة عشر رجلاً ماتوا من أجل صندوق»، متمنياً العودة إلى أيام الصغر، وتلك المسلسلات الكرتونية الجميلة، بعكس برامج ومسلسلات هذه الأيام البعيدة عن القصص الجميلة والمفيدة ورسوماتها الرائعة.
وتحدثت المهندسة ناديا حسن عن تعلقها العميق بمسلسل «صاحب الظل الطويل»، فتقول إن قصة جودي أبوت الفتاة اليتيمة لامست قلبها، كما كانت معجبة بمرحها وقوتها رغم الظروف الصعبة التي مرت بها، مشيرة إلى أنها أحبّت كتابة المذكرات بسبب جودي، وكانت تقلّدها في تدوين يومياتها الصغيرة، وأضافت بخجل إن شخصية جيفرس بندلتون كانت بالنسبة لها ولصديقاتها فتى الأحلام، بشهامته ورقيّه وحضوره الذي يجعل الخير يبدو قريباً وممكناً، ولم تنس ترديد مقطع من شارة المسلسل: «حلمت بالسعادة.. حلمت بالحياة، وسدت الدروب، واشتدت الخطوب فجئت من سراب، حملت لي العطايا يا صاحب الظل الطويل».
وروى الموظف علي أحمد كيف كان يلقّب نفسه بالكابتن ماجد، وكم كان يتمنى أن يكون فريقه قوياً مثل فريق البطل، مشيراً إلى أن العمل كان يمنحه إحساساً بأن الحلم ممكن، وأن الشجاعة ليست مجرد كلمة، ونوه بالفارق الكبير بين كرتون الماضي الهادئ والهادف وكرتون اليوم السريع والمزدحم، مؤكداً أن جيله يعيد مشاهدة تلك الأعمال، ويشجّع أبناءه على متابعتها لأنها أنقى وأجمل.

عودة يفرضها الاحتياج النفسي

من جهتها، أكدت المرشدة الاجتماعية عبير مصطفى أن الحنين الجماعي يعكس حاجة نفسية عميقة لدى الكبار لإعادة الاتصال بمراحل أكثر اتساقاً وهدوءاً في حياتهم، لافتة إلى أن أعمال الكرتون القديمة كانت تقدّم للأطفال نماذج إنسانية واضحة، وتغرس قيماً مثل التعاون، الصداقة، الشجاعة، والرحمة، وهي قيم تتراجع اليوم أمام المحتوى السريع الذي يركّز على الحركة والمؤثرات أكثر من البناء العاطفي.
وأشارت إلى أن العودة إلى تلك الأعمال تمنح الكبار شعوراً بالأمان، لأنها تعيدهم إلى زمنٍ كانت فيه المشاعر بسيطة وغير معقّدة، كما تفتح لهم نافذة للتواصل مع أطفالهم عبر محتوى مشترك يحمل المعنى ذاته الذي حملوه في طفولتهم، مؤكدة أن هذا النوع من الارتباط العاطفي يقوي الصحة النفسية، ويعيد للأفراد جزءاً من الاتساق الداخلي الذي يفقدونه في ضجيج الحياة المعاصرة.

Leave a Comment
آخر الأخبار