الحرية – راتب شاهين:
الحرب المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، ليست بين طرفين ووكلاء ومحرض، بل غيرهم كثيرون يشتركون في المعركة، فبتتبع تفاصيل ما يجري وكيف يجري، هناك من يراقب، ينتظر، يحلل، كل شيء خاضع للتحليل، كل الأسلحة وحركة الطيران والبوارج، وكل قذيفة تطير، وحتى تموضع حاملات الطائرات البعيد عن خط الجبهة، ولماذا هي بعيدة؟، وكل محادثات تمنح الفرص، ويقفز التوقيت الممنوح لها من وقت لآخر، هناك تردد، هناك شيء خفي وراء التردد.
التردد يكشف عن نقاط الضعف الأمريكية
هذا التردد في العودة للحرب الساخنة، يكشف عن نقاط ضعف لدى الطرف المهاجم –الأمريكي، لا يفصح عنها بوضوح، ولكن يمكن الاستدلال عليها بطرق أخرى، فقد كشفت صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية عن أن الصراع في الشرق الأوسط عمّق الانقسامات داخل «ناتو»، حيث «تجاهلت» أوروبا مطالب واشنطن بالدعم العسكري، كما أشارت مصادر إلى أن الوضع المحيط بإيران كشف عن نقص حاد في الذخيرة لدى «ناتو»، المعطيات التي تنتج عن الحرب مهمة كثيراً للدول، التي تراقب بتمعن المسارات والتحركات لأطراف الحرب، الذين يخوضونها بصورة غير مباشرة والذين فضلوا التخفي.
الحرب تترك أثراً كبيراً على النظام الدولي
الحرب المتجمدة بين واشنطن وطهران، والتردد في حسمها بالقاذفات أو بالمفاوضات، تترك أثراً كبيراً على النظام الدولي القديم والمستمر بهيمنته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فالنظام تتآكل هيبته مع مرور الوقت، لصالح نظام جديد وقوى صاعدة جديدة، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال: «إن المناهج السابقة والمعايير والقواعد الراسخة في الحياة التجارية والعلاقات الدولية تفقد صلاحيتها تدريجياً، بسبب تصرفات الدول الغربية التي تفقد مواقعها القيادية وتفسح المجال أمام مراكز نمو جديدة، وهي دول الجنوب العالمي» .
ضرورات التغيير في العلاقات الدولية
استدامة أجواء الحرب في مضيق هرمز، بلا أصوات المدافع وبلا أي تقدم في المفاوضات- أي وضع العالم في وضعية اللايقين، تفرض حالة من الهستريا الاقتصادية والشلل التجاري، الذي يصعب على الدول وضع استراتيجية بناء حقيقية، مادامت حالة التأرجح هي السائدة، ما يدفع الدول للتمرد والتحرك لبناء عالم جديد غير السائد، كضرورة حتمية لاستمرار التواصل الحضاري بين الشعوب.
ما بعد الحرب بين أمريكا وإيران ليس كما ماقبلها ، فدول العالم تنظر إلى الأمام، وترفض العودة إلى الماضي، إلى التهديد والحظر والعقوبات الأحادية، الاقتصادية والتجارية، مستفيدة من تجارب الماضي، ولكن غير راغبة بالعودة إلى الحظيرة، التي بنيت بالتفوق العسكري، لتحقيق التفوق الاقتصادي، بالهيمنة على الدول الأخرى.