الحرية – محمد زكريا:
تبدأ رحلة الألف ميل بخطوة، وفي سعي سوريا لاستعادة أمنها الغذائي، تبرز ضرورة تبني استراتيجية “اللامركزية الإنتاجية”، فإنشاء مزرعة نموذجية تضم 500 بقرة في كل محافظة ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل هو صمام أمان يضمن تدفق مادة الحليب الأساسية في جميع أرجاء البلاد، مع تقليل تكاليف النقل وتنشيط الخبرات المحلية في كل بقعة من أرضنا.
دروس مستفادة
بينما تتصدر مزارع عالمية مثل “مودانجيانغ” في الصين و”المراعي” في السعودية قوائم الإنتاج الضخم من منتجات الأبقار، وحسب الباحث الاقتصادي محمد خالد حسون فإن النموذج السوري يحتاج في بدايته إلى “التوسع الأفقي الذكي”، فبدلاً من التركيز على مزرعة واحدة عملاقة، فإنه يمكن توزيع مزارع متوسطة الحجم يضمن استقرار الإمدادات في ظل التحديات اللوجستية الراهنة، ويحمي الثروة الحيوانية من المخاطر المركزية.
لغة الأرقام
وأوضح حسون أنه في الحالة الافتراضية تم اختيار سعة 500 بقرة كنموذج مثالي للإدارة والسيطرة التقنية، وبناءً على معدل إنتاج واقعي يبلغ 10 ليترات يومياً للبقرة الواحدة، يكون الإنتاج اليومي لكل محافظة: 5,000 ليتر من الحليب الطازج، ومنه الإجمالي الوطني (14 محافظة): 70,000 ليتر يومياً، وبالتالي الإنتاج السنوي المتوقع: قرابة 25.5 مليون ليتر، ما يشكل رافعة حقيقية للسوق المحلي.
الرقمنة الزراعية
وبين حسون لـ”الحرية” أن هذه المزارع لن تكون مجرد وحدات إنتاجية، بل ستعمل كـ”مراكز إشعاع معرفي” لنقل أحدث تقنيات تربية الأبقار، من خلال: الرقمنة الزراعية، وذلك باستخدام أنظمة تتبع الصحة والإنتاج آلياً لرفع الكفاءة والسيطرة على جودة القطيع، إضافة إلى التغذية العلمية من خلال تدريب الكوادر على تركيب أعلاف متوازنة محلياً لتقليل تكاليف الاستيراد والاعتماد على الموارد المتاحة، فضلاً عن تحسين السلالات عبر تقنيات التلقيح الاصطناعي لضمان استدامة وتطور القطيع.
فوائد استراتيجية
وعن الفوائد الاستراتيجية للتوزيع الجغرافي فإن وجود الإنتاج داخل كل محافظة يقلل الهدر ويحذف تكاليف النقل المبردة لمسافات طويلة، ما يضمن وصول المنتج بجودة عالية وسعر عادل للمستهلك، تزامناً مع خلق فرص عمل مباشرة لأبناء الريف السوري وتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية.
حجر الأساس
وبالتالي يمكن القول إن العودة إلى ريادة إنتاج الألبان في سوريا لا تتطلب معجزات، بل تتطلب خططاً واقعية قابلة للتنفيذ، فمشروع مزرعة الـ 500 بقرة في كل محافظة تتضاعف كل سنة، هو الحجر الأساس الذي سيعيد بناء الثقة في الاقتصاد الحيواني السوري، ويمهد الطريق لتحقيق الاكتفاء الذاتي المستدام.