الحرية ـ مركزان الخليل:
يشهد الاقتصاد السوري تحديات هيكلية وظرفية تعيق مسيرته نحو التنمية والنمو المستدام؛ رغم ما تبذله الحكومة من محاولات لمعالجة الوضع الاقتصادي، يبقى النجاح مرهوناً بوضع استراتيجيات اقتصادية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة والترقيعية.
الخبير الاقتصادي عامر شهدا يشير إلى أن تراجع دور القطاع المصرفي، وضعف الاستثمار، وتراكم المشاكل الاقتصادية الأخرى، تجعل من الضروري تبني رؤية اقتصادية جديدة تتلاءم مع الوضع الراهن وتحقق التنمية المطلوبة، وفي مقدمة هذه التحديات الهيكلية والظرفية للاقتصاد السوري:
تراجع القطاع المصرفي وضعف الاستثمار
أشار الخبير الاقتصادي “شهدا” إلى أن المرسوم رقم 56 لعام 2010، الذي كان يهدف إلى تأسيس بنوك استثمارية خاصة وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لم يُنفذ كما كان مُخططاً له.
ويرتبط الاستثمار بشكل مباشر بقدرة القطاع المصرفي على التمويل، إلا أن المصارف السورية اليوم تعاني من تراجع في الادخار، ما يعوق قدرتها على تمويل المشاريع الاقتصادية.
هذا التراجع في النشاط المصرفي يدفع المواطنين إلى اكتناز مدخراتهم، ما يعمق من مشكلة نقص السيولة ويؤثر سلباً على النمو الاقتصادي العام.
خبير اقتصادي يقترح ضرورة تشكيل مجلس إصلاح اقتصادي وطني لمواجهة التحديات الراهنة..
غياب استراتيجية استثمارية واضحة
أيضاً الاقتصاد السوري في نظر “شهدا” يفتقر إلى استراتيجية استثمارية طويلة الأمد، ورغم وجود هيئات متخصصة، تظل الحاجة قائمة لإنشاء صندوق استثماري يمكن أن يعمل على تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والتي تشكل ركيزة أساسية في تحفيز النمو الاقتصادي المستدام، لكن غياب الرؤية الاستثمارية الواضحة يعوق تقدم هذا القطاع الحيوي.
تراجع الطلب الكلي وضعف القوة الشرائية
النمو الاقتصادي لا يعتمد فقط على الاستثمار، بل يتطلب زيادة في الطلب الكلي الذي يعاني من تراجع حاد نتيجة ضعف القوة الشرائية للمواطنين.
كما أن هناك عوامل أخرى تؤثر على الاستدامة، مثل الحاجة إلى تطوير القطاع الإنتاجي ورفع مستويات التصدير وزيادة الإنتاجية.
غياب الدعم للصناعة والتصدير
وبالتالي فإن الموازنة العامة للدولة تعكس غياب التوجه نحو تعزيز الإنتاج المحلي.
فعلى الرغم من التركيز على الرسوم الجمركية والضرائب، فإن الموازنة لا تولي اهتماماً كافياً للصناعة أو التصدير، ما يعكس ضعف التوجه نحو تحقيق تنمية مستدامة، كذلك يرى البعض أن هناك تركيزاً أكبر على زيادة الواردات بدلاً من زيادة الصادرات.
الحاجة إلى إصلاحات اقتصادية شاملة
ويرى “شهدا” أن مجمل التحليلات الاقتصادية تشير إلى أن الاقتصاد السوري يعاني من تشتت وعدم تنسيق بين الوزارات المختلفة المعنية بالاقتصاد، مثل وزارة الاقتصاد والصناعة، مصرف سوريا المركزي، ووزارة المالية.
غياب التنسيق بين هذه الجهات يُعيق الوصول إلى حلول جذرية، مثل تحسين رواتب العاملين، والتي تؤدي إلى زيادة الطلب الكلي لكنها تُمتص سريعاً عبر زيادات في أسعار الخدمات الأساسية كالكهرباء، والحل هنا يكمن في تشكيل مجلس إصلاح اقتصادي وطني مهمته الأساسية معالجة التحديات والمشاكل على مستوى الاقتصاد الكلي والجزئي..
تحديات القطاع المصرفي
القطاع المصرفي يواجه عدة مشاكل أبرزها احتباس السيولة، وصعوبة مطابقة المديونية مع الإقراض، وغياب التسويق الفعال لجذب العملاء. كما أن هجرة الكفاءات وسوء الإدارة يزيدان من حدة الأزمة. كما يعاني القطاع من صعوبة في الحصول على الائتمان الخارجي بسبب ضعف التصنيف الائتماني السيادي للدولة.
وبالتالي مسألة البحث عن الحلول تفرض نفسها على أرض الواقع وبقوة، حيث يرى الخبير “شهدا” لمعالجة هذا الواقع أنه هناك جملة من الإجراءات واجبة التنفيذ في مقدمتها:
وضع رؤية اقتصادية جديدة
وهنا من الضروري إعادة بناء الثقة بين المواطنين والمصارف عبر وضع سياسة نقدية محكمة وتشجيع الإيداع. كما يجب تحريك أسعار الفائدة بما يتناسب مع مستويات التضخم لتحقيق التوازن المطلوب.
تبني سياسة مالية واضحة
يجب على الحكومة تبني سياسة مالية واضحة تركز على دعم الصناعات المحلية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة. من الضروري أن يتم تخصيص الموازنة بشكل فعّال لدعم هذه القطاعات الحيوية التي تساهم في دفع عجلة النمو الاقتصادي.
إصلاح المؤسسات الحكومية
تتطلب الظروف الحالية إعادة تفعيل القرارات الإدارية الحقيقية للوزارات المختلفة وتجنب تشتيتها تحت مسميات هيئات ومؤسسات متعددة. وفي هذا السياق، يُعتبر تشكيل مجلس إصلاح اقتصادي وطني خطوة أساسية لتنظيم التنسيق بين القطاعات المختلفة وإيجاد استراتيجيات متكاملة تهدف إلى تحسين الوضع الاقتصادي.
مجلس إصلاح اقتصادي
في الختام، يواجه الاقتصاد السوري تحديات ضخمة تحتاج إلى إصلاحات جذرية وشاملة. إن غياب الرؤية الاستراتيجية والتنسيق بين الجهات المعنية يجعل من الصعب تحقيق إصلاح حقيقي.
لذلك، فإن الحل الأنسب يكمن في تشكيل مجلس إصلاح اقتصادي وطني يتولى وضع وتنفيذ استراتيجيات اقتصادية شاملة تستند إلى مصلحة المواطن وتدفع بالاقتصاد الوطني نحو التنمية المستدامة.