المشاريع التسويقية تتفوق على الإنتاجية في الاستثمارات السورية

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- سراب علي :

تشهد الساحة الاستثمارية في سوريا توجهاً ملحوظاً للمستثمرين نحو المشاريع التسويقية التي لها أهداف تسويقية محددة، مثل الترويج لمنتج أو خدمة، أوإعادة هيكلية  العلامة التجارية، أو التوسع في أسواق جديدة، وتتميز هذه المشاريع بأنها مؤقتة،  مقابل عزوف واضح عن ضخ رؤوس الأموال في المشاريع الصناعية والإنتاجية، فما الأسباب الكامنة وراء هذا التوجه، خاصة في ظل الحاجة الماسة للنهوض بالقطاع الإنتاجي،ومقارنة بالاستثمارات التسويقية والخدمية ما أبرز التحديات والعقبات التي تواجه المستثمر المحلي والأجنبي وتحد من جاذبية المشاريع الإنتاجية؟

لماذا الهروب من الإنتاج إلى التسويق؟

هنا يشير  الدكتور ذو الفقار عبود أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية في تصريحه ل “الحرية” أن الاقتصاد السوري يشهد تحولاً ملحوظاً في سلوك القطاع الخاص، الذي بات يميل بقوة نحو المشروعات التسويقية (الناشئةوالمرنة) على حساب المشروعات الصناعية والإنتاجية التقليدية.

كما يرى  عبود أن هذا التوجه يهدف إلى اختصار الوقت والوصول السريع إلى العملاء، والاستجابة الفورية لتقلبات السوق، وتحقيق انتشار أوسع بموارد محدودة وتحقيق الانتشار في ظل المنافسة، ويهدف هذا التوجه إلى استغلال الموارد المحدودة بفاعلية، والتركيز على الابتكار، وتلبية احتياجات العملاء بدقة، مما يضمن النجاح والاستمرارية بشكل أسرع وأقل تكلفة.

وتبرز أسباب التوجه نحو المشروعات السريعة  التسويقية كما يوضح  عبود إلى أن المشروعات التسويقية تتفوق في قدرتها على سرعة الوصول إلى السوق (“Speed to Market”)، مما يسمح باستباق المنافسين واقتناص الفرص، كما أنها تمنح رواد الأعمال مرونة عالية في التكيف مع المتغيرات، والقدرة على تحليل احتياجات الجمهور المتطورة وتلبيتها بدقة.

ويضيف عبود أن كفاءة التكاليف تعد محركاً رئيسياً آخر، حيث تعتمد هذه المشاريع على أساليب تسويقية مبتكرة ومنخفضة التكلفة تضمن عوائد استثمارية مجزية(ROI). وأشار إلى أن الابتكار والمرونة يشكلان الركيزة الأساسية لنجاح هذه المشروعات، مما يمكنها من بناء علامات تجارية قوية وتعزيز الوعي بها بسرعة. وأكد أن التكنولوجيا الحديثة، وخاصة الذكاء الاصطناعي وأتمتة الأعمال ومنصات التواصل، تلعب دوراً محورياً في تخفيف الأعباء الإدارية والتركيز على بناء علاقات مباشرة مع العملاء ،وهو ما يصب في صالح هذا النموذج الاقتصادي الجديد.

اقتصادي لـ”الحرية”: القطاع الخاص يهرب من الإنتاج.. والمستقبل في “إعادة الإعمار والتكنولوجيا”

ثلاثية التمويل والبنية والتشريع

ورغم الديناميكية التي يظهرها القطاع الخاص يلفت الدكتور عبود إلى أن البيئة الاستثمارية في سوريا لا تزال تواجه عقبات كأداء تثقل كاهل المستثمرين، خاصة في القطاعات الإنتاجية، وتتمثل أبرز هذه التحديات في:

غياب التمويل والدعم المصرفي الهاجس الأكبر للمستثمرين، وذلك بسبب تضرر القطاع المصرفي السوري وتراجع الاحتياطيات النقدية، إضافة إلى تدهور  البنية التحتية إذ  يؤثر التدهور الواسع في البنية التحتية، لا سيما انقطاع الكهرباء والمياه وضعف شبكات النقل سلباً على قدرة المستثمرين على تنفيذ المشاريع بكفاءة، وكذلك القيود التجارية إذ تشكل القيود على استيراد المعدات والمواد الخام عقبة إضافية تعطل العمليات الإنتاجية في العديد من القطاعات الحيوية.

خريطة طريق للاستثمار

على الرغم من التحديات الجسيمة، يرى الدكتور عبود أن هناك قطاعات واعدة للنمو تحمل فرصاً استثمارية كبيرة يمكن البناء عليها لتحريك عجلة الاقتصاد، وأبرزها:

١- إعادة الإعمار: يمثل هذا القطاع فرصة تاريخية للمستثمرين في مجالات البناء والتشييد، وتطوير البنية التحتية (طرق، جسور، كهرباء، مياه)، وإعادة تأهيل الأحياء السكنية، مما يعد استثماراً طويل الأجل وواعداً، ونظراً لضخامة الاحتياجات، يمكن أن يكون هذا القطاع مصدرًا هامًا لفرص الأعمال والاستثمارات طويلة الأجل.

٢ـ القطاع الزراعي : تمتلك سوريا أراضي خصبة ومناخاً متنوعاً يمكن استثمارهما لتحقيق الأمن الغذائي، وتكمن الفرصة في تطوير مشاريع زراعية حديثة، وتحسين أنظمة الري، وزيادة الإنتاجية للتصدير إلى الأسواق الإقليمية.

٣-  التكنولوجيا وريادة الأعمال: يمثل الاستثمار في الشركات الناشئة وتكنولوجيا المعلومات بوابة للنمو، ويمكن للمستثمرين التركيز على تطوير البنية التحتية الرقمية، ودعم البرمجيات والتطبيقات الذكية التي تقدم حلولاً للأسواق المحلية والإقليمية.

٤ـ النفط والغاز: مع عودة الحقول إلى سيادة الدولة، تفتح آفاق جديدة للاستثمار في التنقيب، وتطوير البنية التحتية للاستخراج، والصناعات التحويلية المرتبطة به كالتكرير والبتروكيماويات.

٥- القطاع السياحي: يمتلك البلد مقومات سياحية هائلة غير مستغلة، وتمثل إعادة تأهيل المعالم الأثرية والفندقية فرصة كبيرة لإنعاش السياحة الثقافية والدينية، ويعزز الدخل القومي ويدعم الاقتصاد المحلي.

تحسين البيئة القانونية

ويشير  أستاذ العلاقات الدولية  إلى أنه على الرغم من أن الحرب أدت إلى تدمير واسع في المنشآت الصناعية والزراعية والتجارية في معظم أنحاء سوريا، وتعرضت مدن حيوية كانت مراكز اقتصادية مثل حلب ودمشق لسلسلة قصف وتدمير ألحق أضراراً جسيمة بالبنية التحتية، فإن جهود الحكومة السورية في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة من شأنها أن تسهم بشكل كبير في إحياء الحركة الاقتصادية، خاصةً بعد توقيع اتفاقيات اقتصادية وشراكات تجارية مع كبريات الشركات العالمية المتخصصة في النفط والغاز والاستكشاف والإنتاج.

ويختم عبود: أنه يمكن طرح مجموعة من الحلول والتوصيات لتعزيز الاستثمار في سوريا، ففتح العلاقات الدولية وتحسينها يلعب دوراً حاسماً في تدفق المشاريع الأجنبية وبدء الاستثمار، كما قد يفتح الأسواق أمام المنتجات السورية، بالإضافة إلى ذلك يعد تطوير البيئة القانونية والتشريعية من العوامل الأساسية المؤثرة في الاستثمار،  لذا يجب إجراء إصلاحات في النظامين المالي والقانوني لضمان بيئة استثمارية شفافة ومستقرة، بما في ذلك اعتماد قوانين تحمي حقوق المستثمرين وتقليل الإجراءات البيروقراطية التي تعرقل تأسيس الشركات والمشروعات، وتحسين آليات فض النزاعات التجارية لضمان سرعة وفعالية حل المشكلات الاستثمارية.

Leave a Comment
آخر الأخبار