تأهيل حديقة السوق المحلي في الشيخ مقصود بحلب بمشاركة 50 ناشطاً لتعزيز التماسك المجتمعي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية _ أنطوان بصمه جي:

يشهد حي الشيخ مقصود الشرقي خطوات نوعية تعكس التحول التدريجي من مرحلة النزاع إلى مرحلة بناء السلام، حيث أطلقت مبادرة الحوار السوري والعشرات من الناشطين المجتمعين من أهالي الحي والأحياء المحيطة به مبادرة مجتمعية طوعية بعنوان “إيد بإيد” لإعادة تأهيل “حديقة السوق المحلي”، في مشروع يهدف إلى تحويل الفضاءات العامة إلى منصات للقاء والتواصل بعد سنوات من التوتر والانقسام.

المبادرة التي نظمتها “مبادرة الحوار السوري” وبإشراف ومتابعة من اللجنة الفرعية الكتلة الثانية المسؤولة عن الحي وبالتعاون مع مديرية الحدائق، شارك فيها نحو 50 ناشطاً ومتطوعاً من مختلف الفئات المجتمعية، حيث تضمنت أعمال التأهيل ، تركيب إنارة جديدة، ودهان المقاعد والجدران، إضافة إلى رسم لوحة جدارية تعبر عن روح التعايش والسلام، وتركيب ألواح خشبية للمقاعد، وأعمال صيانة صحية وتركيب مشارب المياه واستبدال مظلة، إلى جانب أعمال تشجير واسعة أضفت على الحديقة رونقاً جمالياً وبيئياً جديداً.

من جلسات الحوار إلى العمل الميداني

لم تكن هذه المبادرة المجتمعية وليدة الصدفة، بل جاءت كثمرة لسلسلة من الجلسات الحوارية المكثفة التي نظمتها المبادرة خلال الشهر الماضي، وركزت على فهم النزاع وكيفية تصميم مبادرات مجتمعية وبناء قدرات الوساطة القادرة على معالجة جذور التوتر وتعزيز الثقة بين أبناء المجتمع الواحد.

وتعد حديقة السوق المحلي في الشيخ مقصود واحدة من المواقع التي تحظى بأهمية حيوية للسكان، لكنها عانت من الإهمال والتردي خلال السنوات الماضية، ما جعل اختيارها لإعادة التأهيل بمثابة رسالة عملية بأن العناية بالمساحات المشتركة هي مدخل أساسي للعناية بالعلاقات الإنسانية.

سياق خاص… الحي يعود إلى النسيج الوطني

تأتي مبادرة “إيد بإيد” في وقت حساس تشهده مدينة حلب عموماً وحي الشيخ مقصود خصوصاً، فبعد سنوات من التوتر الأمني، شهد الحي في كانون الثاني الماضي خروج آخر دفعات عناصر “قسد” باتجاه مناطق شمال شرق سوريا، في خطوة وصفت بأنها مفصلية لاستعادة الأمن وترسيخ سلطة الدولة في المدينة .

ومع عودة الاستقرار التدريجي إلى الحي الذي يعد من أكثر مناطق حلب تنوعاً سكانياً وثقافياً (حيث يضم عرباً وأكراداً ومسيحيين وتركماناً) ، تبرز الحاجة إلى مبادرات مجتمعية تعيد بناء الثقة وتنسج من جديد خيوط التعايش التي ميزت النسيج الحلبي لعقود.

نموذج لبناء السلام المجتمعي

وأوضح الدكتور كنان سمعان منسق المبادرة في تصريح خاص لـ “الحرية” أن مشاركة نحو 50 ناشطاً من أهالي الحي والأحياء المحيطة تعكس رغبة صادقة لدى المجتمع المحلي في تجاوز آثار النزاع والانطلاق نحو مرحلة جديدة من البناء والتعاون.

وأضاف الدكتور سمعان أن هذه المبادرة تشمل على أعمال ترميم وتجميل للحديقة، وأيضاً هي نموذج حي لبناء السلام المجتمعي، بدأت بجلسات حوارية لفهم النزاع وتعلم المشاركون كيفية تصميم مبادرات قادرة على إحداث تغيير إيجابي ملموس. وأن اختيار حديقة السوق المحلي يشكل نقطة التقاء يومية للأهالي، ومكاناً تلتقي فيه العائلات والأطفال من مختلف الخلفيات.

وتابع منسق الفعالية: “ما يميز هذه المبادرة هو تنوع المشاركين فيها، فجميعهم عملوا يداً واحدة في تركيب الإنارة ودهان الجدران ورسم اللوحات الجدارية وتشجير الحديقة. هذا المشهد التعاوني بحد ذاته كان رسالة أقوى من أي كلمات، لأنه أثبت أن أبناء الحي قادرون على بناء مستقبلهم بأيديهم عندما تتاح لهم الفرصة والمساحة الآمنة للعمل معاً”.

الريادة في بناء السلام

وأكد الدكتور سمعان على الدور الريادي لمثل هذه المبادرات في سياق التعافي المبكر لمدينة حلب، مشيراً إلى أن مبادرة الحوار السوري تواصل نهجها في الجمع بين الحوار والفعل المجتمعي الميداني، مستذكراً الفعاليات السابقة التي نظمتها المبادرة وعلى رأسها إفطار “تلاقي حكايات تجمعنا” الذي جمع نحو 60 ناشطاً من مختلف المكونات السورية في كنيسة الكلدان بحلب خلال شهر رمضان.

التماسك المجتمعي ضرورة محلية

الجدير ذكره أن ما شهدته حديقة السوق المحلي في الشيخ مقصود يؤكد أن التماسك المجتمعي ممارسة يومية تبدأ من الاهتمام بالمساحات المشتركة، وتقدير الجمال، وإشراك الجميع في صنع القرار الذي يخص محيطهم السكني.

ومع إضاءة الأنوار الجديدة في الحديقة، واكتمال اللوحات الجدارية التي رسمتها أيادٍ سورية متحدة، يرسل الناشطون المشاركون في المبادرة رسالة مفادها أن الحياة أقوى من الحرب، وأن التعاون أجمل من الانقسام، وأن المستقبل يُبنى بالعمل المشترك لا بالخطابات المتوترة.

Leave a Comment
آخر الأخبار