الحرية -صالح صلاح العمر:
نحن السوريين نعيش، بالفعل، مرحلة يمكن وصفها -دون مبالغة- مميزة للغاية، كوننا نتنفس الحرية على الطريقة السورية، وهي مرحلة “راقية” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذا ما قورنت بما اعتدنا عليه لعقود طويلة، من الظلم والظلام.
خبر استقالة وزير الشباب والرياضة محمد سامح الحامض لم يكن مجرد حدث عادي، بل شكل صدمة إيجابية في الوعي العام السوري، فكرة أن يتحمل مسؤولٌ نتائج أدائه ويغادر موقعه طوعاً وإن كانت لأسباب صحية (نسأل الله له العافية) هي ممارسة بدهية في الدول الراقية، لكنها في سياقنا بدت وكأنها سابقة تستحق التوقف عندها، والتفكير بها مطولاً، هو موقف يفتح الباب أمام ثقافة جديدة، عنوانها المساءلة، لا التمسك بالكراسي، هذا القرار حضاري، وتُرفع القبعة لصاحبه، على زمن النظام البائد كان المسؤول والكرسي ملتصقين معاً لا يفارق أحدهما الآخر، إلا في حالتين، لا ثالث لهما، إما إلى القبر، أو إلى السجن.
أما الخبر الثاني، المتعلق بوزير المالية الدكتور محمد يسر برنية الذي قرر عرض تفاصيل بنود الميزانية بشكل واضح أمام المواطنين، فهو لا يقل أهمية، أن تُوضع الأرقام أمام الجميع، بلا غموض أو تعقيد، يعني أن هناك توجهاً نحو الشفافية، وإشراك المواطن -ولو جزئياً- في فهم كيف تُدار موارده،
أكد برنية إن نسخة المواطن من الموازنة تهدف إلى تمكين مختلف شرائح المجتمع من فهم كيفية إدارة المال العام، من خلال عرض أهم المؤشرات المالية، وتوضيح الإيرادات وأوجه الإنفاق الرئيسية، وربط ذلك بأولويات الحكومة الاقتصادية، والاجتماعية، والمبادرات التي تعمل عليها خلال العام، مشيراً إلى أنها ممارسة متبعة في العديد من الدول كأداة مكملة للموازنات العامة، لتعزيز الشفافية وتبسيط المعلومات المالية.
هذان الحدثان، على بساطتهما، يحملان دلالات أعمق بكثير من ظاهرهما، فهما يشيران إلى احتمال تشكل نهج جديد في العمل العام، قوامه الوضوح والمحاسبة، بعد سنوات طويلة من الغموض والقرارات المغلقة والمفروضة معاً.
قد يكون من المبكر البناء على هذين المثالين وحدهما، لكن من الظلم أيضاً تجاهل قيمتهما، فالتغيير، في كثير من الأحيان، يبدأ بإشارات صغيرة، ثم يتراكم، ليصبح فيما بعد ظاهرة طبيعة تنتشر في المجتمع بكل سلاسة.
اليوم، لا نملك إلا أن نتعامل مع هذه المؤشرات بحذرٍ متفائل: لا نبالغ في الاحتفاء، ولا نقلل من أهميتها، لكننا، بكل تأكيد، نأمل أن لا تبقى مجرد استثناءات لافتة، بل أن تتحول إلى قاعدة راسخة في إدارة الشأن العام السوري، عند كل المسؤولين.
فإن حدث ذلك، يمكن حينها القول بثقة: نعم، نحن أمام مرحلة مختلفة فعلاً، ونستحقها بجدارة، لأن السوريين عندما انتشروا في أصقاع المعمورة نجحوا وأثبتوا أنهم مميزون بعملهم، وهذا بشهادة الدول الذي لجؤوا إليها، وتركوا خلفهم رائحة الياسمين الشامي تتحدث عنهم.