الحرية – آلاء هشام عقدة:
في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة إثر الحرب الإقليمية الدائرة، وما رافقها من تداعيات على طرق توريد النفط والطاقة والسلع عالمياً، إلى جانب توقف شبه تام لخطوط الطيران من وإلى المنطقة خلال معظم أيام الحرب، جاءت زيارة السيد الرئيس أحمد الشرع إلى السعودية، يوم أمس الثلاثاء، في مستهل جولة خليجية لتحمل أبعاداً استراتيجية تعكس عمق العلاقات السورية – السعودية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التكامل الإقليمي.
وهذه الزيارة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، لترسم ملامح «حلف مكين» بين دمشق والرياض، قادر على إعادة توازنات المنطقة في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة، فالسعودية، بثقلها السياسي والاقتصادي، وسوريا، بعمقها الجغرافي وتاريخها المقاوم، يشكلان معاً ثنائية استراتيجية قوية قادرة على مواجهة التحديات وبناء مستقبل أكثر استقراراً للمنطقة.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور ذو الفقار عبود، أستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية، في تصريح لـ«الحرية»، أنه من المقرر أن يعقد الرئيس الشرع خلال الزيارة لقاءً مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، لبحث سبل تطوير العلاقات الثنائية، إضافة إلى مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وأشار دكتور عبود إلى أن زيارة الرئيس الشرع تتزامن مع جهود المملكة العربية السعودية لتوثيق علاقاتها مع تركيا وباكستان ومصر، في ظل الحرب التي أثرت بشكل مباشر على خطوط نقل النفط السعودية من مضيق هرمز.
موقف المملكة العربية السعودية من الحرب يمثّل امتداداً لاستراتيجية التوازن التي تتبعها منذ سنوات، فهي توازن بين علاقاتها مع الأطراف كافةً، ولا تسمح في أن تهيمن أي قوة إقليمية على منطقة الشرق الأوسط.
وتابع دكتور عبود أن هناك اهتماماً مشتركاً لتوثيق العلاقات السورية ـ السعودية، فالرئيس أحمد الشرع ينتهج خطوات استراتيجية لبناء علاقات راسخة لا مؤقتة، تستفيد منها السعودية وسوريا على السواء، وهو ما يؤهل سوريا لتكون ضمن أي تحالف عربي يضمن مصالح الدول العربية والإقليمية كافةً.
ونوه عبود بأنه على مدار عام ونصف تقريباً، شهدت العلاقات السورية ـ السعودية نشاطاً دؤوباً وحراكاً متصاعداً على مختلف الصعد لإعادتها إلى بعدها التاريخي، ولتكريس شراكة استراتيجية دائمة.
ولذلك تبدو زيارة الرئيس الشرع إلى جدة ضمن إطار تجنيب السعودية وسوريا الانخراط في أي صراع إقليمي مباشر، فالمملكة تسعى لإبقاء اقتصادها في معزل عن أي حرب إسرائيلية، وفي الوقت نفسه تسعى سوريا للحياد الإيجابي الذي يمكنها من الوقوف على قدميها بعد 14 سنة من الحرب المدمرة وفق دكتور عبود.
وأمام هذه التحديات، يرى دكتور عبود أن السعودية تتجه نحو صياغة توازن إقليمي جديد عبر تحالفات متعددة الأطراف، إلى جانب السعي لاتفاقات أمنية مع دول المنطقة، بما يضمن حماية مصالحها واستقرار المنطقة، وهو ما تريده سوريا لكن دون الانخراط المباشر بأي علاقات مع طهران حالياً.
وأضاف دكتور عبود على الرغم من أن الزيارة الجديدة يخيم عليها الملف السياسي الأمني، إلا أن الاقتصاد حاضر بقوة فيها أيضاً، خصوصاً مع الظروف المعيشية في سوريا، والتي فاقمها اندلاع الحرب بفعل ارتفاع أسعار الوقود عالمياً ما انعكس على معيشة المواطن السوري.
وفي هذا السياق أوضح عبود أنه كان للسعودية وما زال دور كبير وراسخ في دعم سوريا الجديدة، فقد أعادت فتح سفارتها في دمشق، وعيّنت أول سفير لها منذ عام 2012، كما ساهمت بشكل أساس في ترتيب أول لقاء بين الرئيس أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب في أيار 2025، وكان لها دور بارز «مشترك مع تركيا وقطر» في رفع العقوبات الأميركية عن سوريا بشكل كامل، كما ساهمت بالشراكة مع قطر، في دعم القطاع العام في سوريا بمنحة مالية بلغت 89 مليون دولار على مدار 3 أشهر.
و تابع دكتور عبود، أبدت السعودية في تموز 2025 نيتها تعزيز العلاقات الاقتصادية واستكشاف فرص التعاون الاستثماري عبر «منتدى الاستثمار السوري السعودي» الذي انطلق من دمشق، إلى جانب العديد من الفعاليات التي شهدت حضوراً سورياً لافتاً في المملكة.
ويختم دكتور عبود كلامه بالقول: إن سوريا تعمل في هذا السياق على الاستفادة من العلاقات الاستثنائية مع السعودية وتركيا وقطر، لبناء اقتصاد أوسع وبما يعزز أهمية موقع سوريا الاستراتيجي لخطوط النقل البري والبحري والجوي، بما يجعلها بديلاً محتملاً لطرق النفط والطاقة والتجارة الدولية.
وقد طُرح هذا التوجه مؤخراً في منتدى أنطاليا الدبلوماسي، من خلال مشروع خط الحجاز الحديدي الذي ينطلق من تركيا مروراً بسوريا وصولاً إلى الأردن ثم مكة المكرمة، مع توقعات باستفادة دول الاتحاد الأوروبي منه أيضاً.