الحرية ـ رحاب الإبراهيم:
وسط مدينة حماة، يتجمع أكثر من عشرين حرفياً في خان رستم باشا الأثري، الذي ما إن تدخل باحته تباغتك عبق التاريخ والحضارة، لكن بالوقت ذاته يشعر زائره أثناء التجوال في أرجائه بالإهمال والتقصير بحق الحرف التراثية وأهل كارها، المتمسكين بها ويسعون بكل السبل لحمايتها من الاندثار إلا أنها تحتاج إلى دعم من أصحاب القرار كونها تشكل الهوية الثقافية والتراثية للمدينة وتحمل طابعاً اقتصادياً واجتماعياً لا يقل أهمية ويفترض أخذه بعين الاعتبار لمعالجة مشاكل الحرف اليدوية والنهوض بهذا القطاع الحيوي. 
“الحرية” قصدت خان رستم باشا الأثري، والتقت بعضاً من حرفييه، المتواجدين في محالهم وورشهم، التي تضم في مساحاتها الصغيرة مشغولات يدوية متروكة لقدرها بعد عجز أصحابها عن تصريفها لاعتبارات عديدة أبرزها عدم وجود أسواق لبيعها وضعف الترويج والتسويق، وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين، الذين يفضلون شراء متطلبات المعيشة الأساسية في ظل واقع معيشي ضاغط، وعموماً المنتجات الحرفية لها “ناسها” كونها عادة تباع بأسعار لا تناسب أصحاب الدخل المحدود وتعتمد على أصحاب الملاءات المالية الجيدة من أبناء البلد والسياح من الدول العربية والأجنبية.
لا تطعم خبزاً
الحرفي مصطفى ظاظا “صناعة النواعير”، وهو ابن الحرفي الوحيد حالياً في مدينة حماة الذي يشتغل بتصنيع النواعير على أصولها، حيث بدأ في تعلم هذه الحرفة كونه يحب العمل في مجال التصميم، لكن بعد ما لمس على أرض الواقع أن هذه الحرفة التراثية التي تحاول عائلته الحفاظ عليها، لا تطعم خبزاً، كما يفترض، قرر التوجه إلى العمل بمهنة التصميم من دون ترك مهنة والده وأجداده، مبيناً أنه يحاول قدر المستطاع أن يجمع بين التراث القديم والحديث لبيع المنتجات المصنعة في ورشة تصنيع النواعير بسوق خان رستم باشا بغية تسويق منتجات ورشة تصنيع النواعير التراثية، لكن لم يحقق الفائدة المادية المطلوبة لتعيش عائلته حياة كريمة، مطالباً الجهات المعنية بدعم الحرف اليدوية وتقديم ما يلزم لحمايتها والحفاظ عليها والمساهمة بذات الوقت بتحسين معيشة الحرفيين وتمكينهم من بيع منتجاتهم بأسعار مقبولة.
بدوره الحرفي محمد سعيد المدني “مجسمات خشبية” اشتكى من ضعف تسويق منتجات خان رستم باشا عموماً وليس فقط المصنعة في ورشته، حيث يفترض إقامة معارض داخلية وخارجية لتسويق المنتجات اليدوية، بغية الترويج لها وزيادة فرص بيعها، مطالباً مؤسسات الدولة وخاصة التابعة لوزارتي السياحة والثقافة ومحافظة حماة بدعم الحرفيين عبر تسويق المعروضات اليدوية والشراء منها وعرضها في مكاتبهم أو منازلهم أو تقديمها كهدايا تذكارية تحمل بصمة سورية خالصة.
الحرفي ..مواطن
وشدد الحرفي المدني على أنه في حال ترك سوق الحرف اليدوية دون دعم، فهذه المهن الحرفية ستندثر بالمطلق، ما يهدد الكثير من العائلات في أرزاقها، فالحرفي بالنهاية مواطن وطالما لا يوجد دخل شهري يسند معيشته سيعرضه ذلك إلى ضغوط اقتصادية ومعيشية كبيرة.
حزمة خطوات
“الحرية” تواصلت مع أمين سر لجنة خان رستم باشا الحرفي فواز كرديش معراوي “رسم لوحات فنية وتصوير” الذي بين أن الحرفيين رغم معاناتهم الشديدة لكنهم يبذلون كل استطاعتهم للحفاظ على حرفهم اليدوية، ما يفرض إطلاق حزمة من الخطوات لدعمها وانتشارها وإعادة إحيائها، فحمايتها لا يقتصر على أهل الكار فقط، فالوزارات المعنية معنية أيضاً في تقديم الدعم اللازم للحرفيين، الذين منحوا محلات بأجور رمزية في خان رستم باشا كنوع من الدعم، وهي خطوة مهمة لكنها لا تكفي، في ظل انعدام البيع وعدم تحصيل الحرفيين أي دخل مادي على مدار شهور طويلة.
أسواق تصريف
وبين الحرفي معراوي أن هذا الواقع يدفع الأبناء إلى عدم الاشتغال بحرفة أبائهم طالما لا تحقق لهم دخلاً شهرياً يحقق لهم معيشة جيدة، وهو ما حصل مع ابنته، التي جاءت إلى المحل لتعلم هذه الحرفة، لكن حينما وجدت أنها لم تجنِ ليرة واحدة خلال شهور، قررت تركها والبحث عن فرصة عمل أخرى تؤمن من خلالها احتياجات معيشتها.
وطالب كغيره من الحرفيين بإيجاد أسواق تصريف للمنتجات الحرفية وإقامة معارض محلية وخارجية، والترويج لهذه المنتجات إعلامياً لتشجيع المواطنين على شرائها، مع تقديم دعم مادي مباشر أو المساهمة بتأمين المستلزمات الأولية لكل حرفة، مع أهمية خطوة قيام كل مؤسسة أو وزارة وخاصة المسؤولة عن القطاع الحرفي بالشراء المباشر، محذراً أنه في حال عدم تقديم الدعم المطلوب، فالحرف اليدوية، التي تحمل هوية مدينة حماة إلى انقراض، فأغلب الأبناء سيرفضون تعلم هذه الحرفة طالما لا تحقق عائداً مادياً مقبولاً، علماً أن كثيراً من الحرفيين يفكرون في ترك العمل بهذه الحرف لكن لا خيار لديهم باعتبار أن أغلبهم أصبحوا من كبار السن ولا قدرة لديهم على تعلم مهن جديدة تنقذهم من الواقع الاقتصادي الذي يعانونه.
وشدد أمين سر لجنة خان رستم باشا على أن الحرفيين يضعون كل ثقتهم بحكومتهم، التي تأمل إنصافهم ومعالجة الصعوبات التي تعترض تسويق منتجاتهم وإيجاد الحلول المطلوبة للنهوض بواقع القطاع الحرفي المهمل وتحسين معيشة المشتغلين فيه.
دعم الحرفيين
وقد توصلت “الحرية” مع رئيس اتحاد الحرفيين بحماة عبد الوهاب درويش، الذي بين أهمية سوق الحرف اليدوية “خان رستم باشا” ودوره في الحفاظ على هذه المهن التراثية، التي يبذل اتحاد الحرفيين بحماة كل استطاعته لدعم الحرفيين ضمن الإمكانات المتاحة، حيث يعمل على تنظيم معارض داخل السوق لتنشيط عمل الحرفيين وتعريف المواطنين على هذا السوق التراثي ومنتجاته والمساهمة في الترويج لحرفه اليدوية، علماً أنه منذ فترة نظمت ندوة داخله مع جولة على محال الحرف اليدوية كجزء من خطة تسويقية تشجع المواطنين على زيارته بصورة مستمرة.
ولفت درويش إلى أن اتحاد الحرفيين بحماة يحاول تأمين بعض مستلزمات الإنتاج، كالخيط القطني والغاز للحرفيين، فمثلاً حينما حصلت أزمة الغاز مؤخراً بادر الاتحاد إلى توفيره لهم، إضافة إلى التواصل مع الجهات المعنية بقطاع الحرفيين بصورة مستمرة لتذليل الصعوبات التي تواجه الحرفيين بهذا السوق وغيرهم من الحرفيين بمدينة حماة نظراً لأهمية دورهم الاقتصادي والاجتماعي وإيجاد السبل المطلوب للنهوض بواقع الحرف اليدوية والتراثية.