الحرية ـ جواد ديوب:
باتت الأجيال الشابة تعيش في عالم متغير ومتسارع ومخيف، تتجاوز نفسها باستمرار لدرجة أن البعض أطلق عليها اسم «جيل Z» أو «جيل ما بعد الألفية»، والذي يصفه البعض أيضاً بأنه جيل متطور تقنياً لكن بلا مبادئ، بل وصف الكاتب الأمريكي روس داوثت في كتابه «المجتمع المنحط» (The Decadent Society) أن الكثير من الأجيال الحالية وصلت إلى ذروة التطور التكنولوجي والمادي، لكنها فقدت القدرة على الإبداع، بمعنى أنها «أجيال كاملة غارقة في قفص ذهبي من ألعاب الفيديو والمنصات الرقمية والوجبات السريعة، جعلها تفضل نموذج الاستهلاك المريح بدلاً من الاستكشاف الشاق، وهذا أدى إلى نوع من التخدير الجماعي والموت البطيء للروح البشرية الخلاقة».
والسؤال المطروح هنا: كيف يمكن لكتّاب أدب الأطفال واليافعين وأدب الشباب التركيز على القيم الإنسانية والوطنية عند جيل Z، وعلى ترسيخها في الأدب والرسومات الموجهة لهم؟
اختزال قاس واتهام مجحف
الأدباء الذين التقتهم «الحرية» ميزوا بين فهمنا ورؤيتنا للجيل بحد ذاته، وبين ما يجب عليهم ككتاب ورسامين أن يفعلوه، وهم يتفقون على أن توصيف جيل Z بأنه «جيل بلا مبادئ أو بلا أخلاق» هو توصيف مجحف جداً، واتهام في غير محله، وإدانة غير منصفة؛ لأننا أولاً يجب أن نفهم طبيعة هذا الجيل، وكلما اقتربنا من الدقة في توصيفه وفهمه، كلما استطعنا – كأهل وأناس عاديين وكتاب متخصصين في أدب الشباب – التعامل معه بأكثر الطرق تفهماً ومحبة وإنصافاً.
بفكاهة محببة، تجيب الطبيبة والأديبة هند مصطفى، الحائزة المرتبة الأولى في مسابقة أدب الطفل (وزارة الثقافة السورية عام 2022)، والتي تدرك القوة الناعمة للحكايات والكلمات في صياغة شخصية الإنسان: إن «جيلZ»، أو جيل ما بعد الألفية، هو الجيل الذي ولد وفي فمه «ملعقة إلكترونية» (قياساً على من يولدون وفي فمهم ملعقة من ذهب كناية عن الدلال والرفاهية)، أي هو جيل فتح عينيه في قلب الثورة الرقمية، وسط عالم الإنترنت والشاشات والساعات الذكية. هو جيل أكثر انفتاحاً، تحركه الخوارزميات وتختصره لمسة إصبع، وحين ننظر إليه من داخل البيئة التي نشأ فيها، ندرك حجم الفجوة بينه وبين جيل الآباء، لذلك فإن الحكم عليه بأنه بلا مبادئ يبدو تبسيطاً قاسياً، لأنه في الحقيقة جيل يعيد تشكيل القيم بطريقته الخاصة، ويعبر عن ذلك عبر مقاطع فيديو قصيرة (ريلز) وتعليقات مكثفة، لا عبر الخطب الطويلة».
وتعتقد الدكتورة هند أن أهمية أدب الطفل تكمن في كونه صلة وصل ناعمة تربط الطفل بهويته وتراثه، لا عبر الوعظ المباشر، بل من خلال حكاية مشوقة غير تقليدية، وشخصيات تشبهه، وقيم تنبض في تفاصيل الحياة اليومية: الصداقة، اللطف، الصدق، الاحترام، وتقبل الاختلاف. فالقيم، بحسبها، لا تتغير، لكنها تحتاج إلى لغة معاصرة وتقديم بصري جذاب يواكب متغيرات هذا الجيل. ولم يعد الكتاب الورقي وحده كافياً، بل أصبح من الضروري إشراك التكنولوجيا عبر الكتب التفاعلية والقصص الرقمية والأفلام القصيرة، لتصل الرسالة بإيقاع يناسب عالمهم.
القيم ثابتة.. والأساليب متغيرة
الكاتبة نغم القصير، صدر لها عن دار المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت ثلاثة قصص: “غريب ولكن حقيقي” 2023، “خواطر صبي” 2024، و”في منقار عصفورة سؤال” تتفق مع الدكتورة هند في وجوب التوصيف الدقيق لجيل Z، ليتمكن أدباء الأطفال والشباب من مقاربة الطرق الأفضل للكتابة لهم. فهي “لا ترى أن هذا الجيل بلا مبادئ، بل إن المشكلة تكمن في غياب التواصل معهم”. تقول: “نحن، جيل الثمانينيات مثلاً، معلقون بين زمنين: زمن خالٍ من وسائل التكنولوجيا، وزمن متسارع وسط جنون التكنولوجيا. وبطريقة مقصودة أو غير مقصودة، نرى أن جيل Z بلا مبادئ. وسواء عبرنا عن هذا أم لم نعبر، فهم سيشعرون وسينفرون من التواصل معنا”.
وتكثف الأستاذة القصير جوهر الخلل السايكولوجي الكامن في إشكالية الكتابة لهذه الأجيال بالقول: لا أظن أن شخصاً تتهمه بالهشاشة أو التفاهة ستكون لديه الرغبة لسماعك أو فهم ما تريد قوله! وأنا كأم أولاً (لدي طفلتان)، وكمهتمة بالعمل مع الأطفال والكتابة لهم، أشعر بالتعاطف تجاه جيل Z، فقد ولدوا في ظل تقنيات سلبتهم عدة الخيال، وأنقصت من الفراغ الذي كان يخلق الملل، والملل الذي كان يخلق اللعبة والحكاية. بالمقابل، إن أحد أكبر التحديات التي ألاحظها هي أننا لا نكتب للطفل أو اليافع المعاصر بقدر ما نكتب لنتصالح مع الطفل الساكن في أعماقنا. نكتب هروباً من تسارع العصر، نكتب أحياناً لأنفسنا وليس لهم. وأي فراغ نتركه في عالمهم سيملأ بالتفاهة.
أبراج عاجية وأساليب وعظية
الكاتب الإماراتي، مدرس اللغة العربية عمران كشواني (بحصيلة 16 مؤلفاً أدبياً تنتمي إلى أدب اليافعين، ومرشح للقائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية العربية لسنة 2024 عن فئة روايات اليافعين)، لم يستطع أن يخفي حسرته على حال أجيال الشباب المعاصرة. يروي كيف أنه عندما يدخل إلى إحدى المكتبات يجد نسبة كبيرة من الفتية واليافعين يجولون بين أروقتها في أقسام القصص المصورة اليابانية أو ما يسمى بـ”المانجا”، أو في قسم روايات اليافعين (باللغة الإنجليزية فقط، للأسف). أما الأقسام العربية برفوفها وتصنيفاتها المختلفة فيجدها خاوية على عروشها، يجول فيها وحيداً كأنه يغرد خارج السرب.
ويضيف متسائلاً: هل المشكلة إذاً في أولئك الشباب الذين ينتمون إلى ما يسمى بجيل Z (مواليد 95 فما فوق) وجيل ألفا (مواليد 2010)؟ أم المشكلة في نوعية الكتب ذاتها؟ ويجيب من وحي خبرته: “أزعم كمعلم يعمل في مهنة تدريس اللغة العربية منذ 21 عاماً أن هذه مشكلة متعددة الأطراف. فالكتب العربية للناشئين لا تلبي احتياجات هذه الفئة من رغبة غريزية ومتعطشة للقراءة المشوقة التي يجدونها في غيرها من اللغات للفئة نفسها. واحتياجات هذه الفئة تتركز في خمسة أنواع من الأدب الذي يغمطه النقاد العرب ولا يعاملونه بما يستحق، وهي: الأعمال البوليسية، وأعمال المغامرة، والفانتازيا، والتشويق، والخيال العلمي”.
ويضيف الأستاذ كشواني: “للأسف، أجد مؤلفي كتب اليافعين في أوطاننا العربية في برجهم العاجي، ولا يواكبون ما يطرأ على هذا الفن من طرق وتقنيات الكتابة الحديثة لليافعين. فمنهم من لا يزال يستخدم الأسلوب الوعظي والإرشادي – حتى وإن نفى ذلك – ومنهم من يركز على استعراض عضلاته في انتقاء الألفاظ العربية الجزلة، مغفلاً ما عدا ذلك من عناصر التشويق والمغامرة والحبكة المتقنة. وتوجد كارثة أخرى عندما يحاول أحدهم الكتابة في مجال الكوميديا، فتظهر النكت والدعابات والطرائف السمجة غير المضحكة، التي يبدو فيها الاستخفاف بعقل اليافع جلياً وواضحاً”.
منمنمات الخيال
لا يكتمل الحديث عن إشكاليات الكتابة للأطفال واليافعين من دون الإشارة إلى تلك المنمنمات اللونية والخطوط التي تشكل الرسومات التصويرية واللوحات الداخلية لكتب الأطفال واليافعين والشباب وتزين أغلفتها، بل تزين خيالاتهم وأحلامهم.
الفنانة ضحى الخطيب، صاحبة التجربة الطويلة في تقنيات “الكولاج”، تقول: “في البداية، عندما طرحت السؤال الإشكالي، فكرت أولاً أنه من غير المنصف تعميم صفة ‘بلا أخلاق’ على جيل Z، لكنهم بالتأكيد أشخاص مختلفون عمن سبقهم في نظرتهم للشأن العام ولأمورهم الخاصة وكيفية معالجتها، وهذا من طبيعة الحياة. تالياً، فكرت في أن توليد البعد البصري الجمالي المعجون بالنص المكتوب هو بالأساس من مسؤولية الكاتب صاحب الفكرة، وهو لصيق بطريقة طرحه ومعالجته لها بلغة يجب أن تتناسب مع جيل تجذبه البهرجة بكل أشكالها، ويبتعد نسبياً عما هو كلاسيكي في الوصف والحبكة”.
لذلك – والكلام لا يزال للفنانة ضحى – ومن ذاك الفهم الدقيق والمحدد لمعنى الحداثة في الشكل والمضمون، أرسم لوحتي بصياغة نصي البصري الخاص، وأبحث عن أفضل طريقة أوصل بها فكرتي. وبما أني ممن لا يحبون استعمال التقنيات الحديثة والرسم الديجيتالي وتوظيف الذكاء الاصطناعي، أهتم بالكيفية التي ستواكب بها أعمالي الذائقة البصرية لهذا الجيل، وأن أحافظ على القيمة الفنية والروحية والفكرية. ولأجل هذا كله لجأت إلى تقنية “الكولاج” واستعمال المواد المختلطة لرسم لوحتي المشغولة يدوياً، لتحقيق شرط الجذب البصري، وكتمرين ذهني للطفل ينمي فكره التحليلي والتركيبي، ويشحذ خياله بما هو لطيف، بعيداً عن انطباع “الأكشن” فقط وعن الفوضى اللونية التي أجدها في بعض رسوم الديجيتال غير المدروسة”.
قليل من النقد
قدم الأستاذ كشواني لمحة نقدية حين قال: “يجب علينا أن نعذر اليافع حين نستشف نفوره من نصوص تتنافس وتتطاحن فيما بينها على جذب الجوائز الأدبية والتقرب زلفى من النقاد أو من غيرهم من الأدباء، أو للحصول على التقريظ والمديح من جمهور هو لا ينتمي لليافعين أساساً. فإذا كان الكاتب نفسه لا يبالي باليافع عقلاً وفكراً ومنطقاً، فكيف نطلب حينئذ من اليافع أن يبادله الود ويمنحه الاهتمام بقراءة أعماله المنشورة؟”
غصن الخيال الأخضر
من وحي مهرجان الألوان وقصاصات الفرح التي تعيش في فضائها، تتمنى الرسامة ضحى الخطيب أن يبقى هناك نصوص ورسوم تنتصر للأمل واللطف والفرح ضد العتم والسواد. فهناك، برأيها، جانب من الفن اليوم يخوض معركة للدفاع عن تفاصيل ومبادئ جميلة من الماضي ضد التسارع المختلف والمخيف للواقع. وتعتقد أن أهم أدوات الدفاع عن الجمال هي الخيال والقدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا بذكاء، لأن مواجهة “تغير العالم نحو الأسوأ” تبدأ من العمل الفكري والفني الذي يعزز في الكائن البشري إنسانيته.
كذلك تصوغ الكاتبة نغم القصير ألوان نظرتها المستقبلية، وهي بشعور الأمومة الواثق تقول عن الأجيال الضائعة في متاهة الثورات الرقمية: “لا بد من الاقتراب من عالمهم وأدواتهم، وتطعيمها بأفكارنا، مع منحهم الثقة، وعدم الاستهانة بعوالمهم، وأن نخلق مساحات للقصة والحكي والتواصل التفاعلي ما بعد القصة… ربما حينها نجد أنفسنا نحن أيضاً هناك، ونفرغ لديهم ما نحمله من إرث وقيم نخشى التخلي عنها، لنخلق لغة مشتركة وحكاية مشتركة بين عصرنا وعصرهم. مهمتنا ليست حراسة أنفسنا ودواخلنا ومبادئنا من جيل Z، بل منحهم المفاتيح ليساعدونا على إعادة بناء القيم وتعزيزها بأدواتهم. عندي ثقة أن القيم لا تموت، لكن يجب أن نكتبها معهم وليس فقط لهم”.