الحرية – رنا الحمدان:
يبدأ موسم «السليقة» مع انتهاء حصاد القمح في قرى الساحل السوري، وهو من أقدم العادات الريفية التي لا تزال حاضرة في قرى طرطوس واللاذقية ومصياف، حيث تتحول ساحات المنازل إلى ورش عمل جماعية لإعداد البرغل، المكون الأساسي للمؤونة الشتوية.
ويشير المزارع عيسى حسن، من قرية بحنين في ريف طرطوس، لصحيفة «الحرية»، إلى أن موسم السليقة يبدأ في شهر أيار ويستمر حتى نهاية حصاد القمح، وتبدأ الرحلة بجمع المحصول ودرسه، ثم نقل القمح إلى المنزل وغربلته يدوياً أو آلياً، بعد ذلك، تجتمع النساء لتنقية حبوب القمح وإزالة الشوائب منها، ثم غسلها جيداً قبل سلقها في أوعية معدنية كبيرة تعرف باسم «الحلّة»، وتوضع على نار الحطب لساعات طويلة مع التحريك المستمر حتى تنضج، فيما يعمد بعض الأهالي أيضاً إلى سلق عرانيس الذرة مع القمح.
وبعد الانتهاء من السلق، تنشر الحبوب تحت أشعة الشمس مدة أربعة إلى خمسة أيام حتى تجف تماماً، ثم تنقى مرة ثانية، وتنقل إلى المطاحن لإنتاج البرغل الخشن والناعم وسميد الكبة.
وبعد الطحن، يعاد تشميس البرغل نحو خمسة عشر يوماً لضمان جفافه الكامل، فيما يخصص جزء من المحصول لإعداد الكشك والفريكة وغيرها من المؤن التقليدية.
ويؤكد حسن أن هذا الموسم لا يقتصر على إعداد المؤونة، بل يمثل مناسبة اجتماعية متوارثة تعزز روح التعاون بين الأهالي، إذ تتشارك العائلات والجيران في مختلف مراحل العمل، وسط أجواء يسودها الفرح وتبادل الأحاديث والخبرات، كما تسهم هذه العادة في تخفيف الأعباء المعيشية من خلال تأمين جزء كبير من احتياجات الأسرة الغذائية طوال فصل الشتاء.
وأضاف أن الاعتماد على البرغل المصنوع من القمح المحلي يمنح الأسر جودة أفضل، ويخفف من تكاليف شراء المواد الغذائية، مشيراً إلى أن «السليقة» كانت ولا تزال عنواناً للتعاون بين أبناء القرية، حيث يشارك الجميع في السلق والتجفيف والنقل، في صورة تعكس أصالة المجتمع الريفي.
بدورها، تقول أم أحمد، من قرية نخلة في ريف القدموس: «السليقة بالنسبة لنا ليست مجرد عمل منزلي، بل مناسبة ننتظرها كل عام، نجتمع مع بنات العائلة والجارات منذ الصباح، ونعد البرغل الذي يكفينا طوال الشتاء، ونحافظ من خلاله على عادة ورثناها عن أمهاتنا وجداتنا».
أما الشابة هبة، فترى أن المشاركة في موسم السليقة تمنح الجيل الجديد فرصة للتعرف إلى الموروث الشعبي، وقالت: «نحرص كل عام على المشاركة مع الأهل، لأن هذه العادات جزء من هويتنا، ونريد أن تبقى حاضرة في حياة أبنائنا».
ويبقى موسم «السليقة» أكثر من مجرد محطة لإعداد المؤونة، فهو تقليد اجتماعي يعكس ارتباط الإنسان بأرضه ومحصوله، ويجسد قيم التعاون والتكافل التي تميز الريف السوري، في مشهد يتكرر كل صيف، حاملاً معه عبق الماضي ودفء العلاقات بين أبناء القرى.