هل تنجح مبادرات طرطوس التطوعية في تحويل الحماس إلى تغيير مستدام؟

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- نورما الشيباني:
تزايد حضور المبادرات التطوعية في طرطوس خلال السنوات الأخيرة، مع ظهور تجارب شبابية وجمعيات أهلية تعمل في مجالات الثقافة والبيئة والتنمية، تسعى إلى تقديم نماذج جديدة للمشاركة المجتمعية، لكن السؤال الذي يبقى مطروحاً: هل استطاعت هذه المبادرات أن تصنع تغييراً مستداماً، أم أنها ما تزال مرتبطة بحماس أفراد وإمكانات محدودة؟

حضور يتجاوز المساعدة التقليدية

مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في طرطوس جولي خوري أكدت لصحيفة «الحرية» أن العمل الأهلي يشهد نشاطاً متزايداً، حيث تؤدي الجمعيات دوراً مهماً في دعم الفئات الأكثر احتياجاً والمساهمة في تنفيذ المبادرات المجتمعية والإنسانية والتنموية، مع وجود تفاوت في مستوى الأداء والقدرات بين جمعية وأخرى تبعاً للإمكانات والموارد المتاحة.

238 جمعية

وتشير إلى أن عدد الجمعيات الأهلية المسجلة لدى المديرية يبلغ 238 جمعية، تعمل ضمن مجالات متعددة تشمل الرعاية الاجتماعية، والإغاثة، ودعم الأسر المحتاجة، وتمكين المرأة، ورعاية الأشخاص ذوي الإعاقة، ورعاية كبار السن، وحماية الطفل، والتعليم والتمكين، والصحة، والتدريب والتأهيل، والتنمية والإسكان، والثقافة والفنون والرياضة، إضافة إلى البيئة ودفاع وحقوق وقانون.
وترى خوري أن تنامي عدد الجمعيات خلال السنوات الأخيرة يرتبط بارتفاع الحاجة إلى المبادرات المجتمعية، إلى جانب ازدياد رغبة الشباب في المشاركة وخدمة المجتمع، مبينةً أن المديرية تتولى الإشراف على عمل هذه الجهات وفق القوانين والأنظمة الناظمة، ومتابعة التزامها الإداري والمالي، وتقديم الإرشاد اللازم لها.

شريك أساسي

وتؤكد خوري أن الجمعيات الأهلية أصبحت شريكاً أساسياً في تنفيذ البرامج الاجتماعية، لما تمتلكه من قدرة على الوصول إلى شرائح مختلفة من المجتمع، مشيرة إلى أن تقييم فاعلية أي جمعية لا يعتمد على عدد الأنشطة فقط، بل على استمرارية برامجها، وحجم المستفيدين، وتحقيق أهدافها، ومدى انعكاس عملها على المجتمع.

تحديات

لكن خوري تشير إلى أن القطاع الأهلي يواجه تحديات متعددة، أبرزها محدودية التمويل، والحاجة إلى تأهيل الكوادر، وتأمين متطوعين بصورة مستمرة، وارتفاع تكاليف تنفيذ المشاريع، إضافة إلى الحاجة لتطوير برامج أكثر ارتباطاً باحتياجات المجتمع، مثل تمكين الأسر المنتجة، ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة، ورعاية كبار السن، وتنمية مهارات الشباب.
وتلفت خوري إلى أن الشباب يشكلون عنصراً محورياً في مستقبل العمل المجتمعي، لما يمتلكونه من قدرة على الابتكار واستخدام الوسائل الحديثة، مؤكدة أهمية تعزيز مشاركتهم عبر نشر ثقافة التطوع، وبناء شراكات بين المؤسسات الحكومية والأهلية، وتنفيذ برامج طويلة الأمد.

«حرير» يبحث عن دور اجتماعي

في تجربة مميزة، اختار فريق حرير التطوعي الثقافة والفنون مدخلاً لتعزيز التواصل بين الشباب، محاولاً تحويل النشاط الثقافي إلى مساحة للحوار والتعلم.
ويقول مشرف الفريق نوار مرهج إن الفريق يعمل على تنظيم عروض سينمائية، ولقاءات ثقافية، وورش تدريبية، بهدف توفير بيئة تشجع الشباب على المشاركة وتبادل الأفكار.
ويضيف مرهج أن مشروع «بيت حرير» جاء استجابة للحاجة إلى وجود مساحة عامة تجمع الشباب، حيث تم تحويل مكان مهمل إلى بيئة مفتوحة تستقبل الطلاب والمهتمين بالقراءة والتعلم والعمل الجماعي.
ويؤكد أن أهمية المشروع لا تكمن في الفعاليات بحد ذاتها، بل في الفكرة التي يقوم عليها، وهي إيجاد مكان يشعر فيه الشباب بأنهم قادرون على المشاركة وصناعة المبادرات، مشيراً إلى أن الفريق يسعى إلى استقطاب شرائح جديدة عبر تنويع أنشطته.
ويشير مرهج إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في الوصول إلى شباب لا تصلهم عادة أخبار هذه المبادرات، لأن توسيع دائرة المشاركة يبقى شرطاً أساسياً لزيادة الأثر.
ويقول الشاب محمد الشمالي، أحد المستفيدين من المشروع: إن وجود مكان يجمع الشباب حول التعلم والحوار جعلنا نشعر أننا قادرون على المشاركة وصناعة أفكار جديدة.

«سنديان» الوعي البيئي

في الجانب البيئي، تبدو مهمة المبادرات أكثر ارتباطاً بتغيير السلوك من تنفيذ نشاط عابر ومن هذا المنطلق تعمل جمعية سنديان لحماية البيئة والتنمية المستدامة على نشر الثقافة البيئية وتنفيذ أنشطة توعوية ومشاريع تستهدف المجتمع والبيئة معاً.
وتقول مديرة الجمعية سهاد العلي: إن فكرة تأسيس الجمعية جاءت بمشاركة مجموعة من الأصدقاء والمختصين والمهتمين بالشأن البيئي وذلك بهدف المساهمة في تحسين الواقع البيئي بشكل عام.
وتوضح العلي أن رؤية الجمعية تقوم على بناء مجتمع يحمي بيئته ويحسن استخدام موارده، انطلاقاً من قناعة بأن كل كائن حي يمثل جزءاً من منظومة بيئية متكاملة، وأن أي خلل فيها ينعكس على نوعية الحياة.

وتشير إلى أن الجمعية تعمل في مجالات التوعية والتعريف والإرشاد البيئي، إضافة إلى تنفيذ مشاريع تنموية تستهدف الإنسان والبيئة ،
وتبين العلي أن استقطاب المتطوعين يتم من خلال أنشطة متنوعة تشمل الجوانب البيئية والتدريبية والثقافية والترفيهية، إلى جانب اللقاءات الدورية التي تساعد على بناء علاقة مستمرة بين الجمعية وأعضائها.

دعم الجهات المعنية

وترى العلي أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية انعكست على الواقع البيئي، إذ أدت صعوبات المعيشة لدى بعض الأسر إلى زيادة الضغط على الموارد الطبيعية، وظهور ممارسات تضر بالبيئة مثل قطع الأشجار والتعدي على المجاري المائية.
وتؤكد أن أبرز ما تحتاجه المبادرات البيئية هو دعم أكبر من الجهات المعنية والمنظمات العاملة في المنطقة، إضافة إلى تعزيز حضور البيئة ضمن أولويات العمل المجتمعي.
ورغم الصعوبات، تستمر الجمعية في تنفيذ خطتها، وتسعى إلى إطلاق مبادرات مستقبلية تتعلق بزيادة المساحات الخضراء، والحد من التلوث، وتعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على التنوع البيولوجي.

من المبادرة إلى الأثر

وفي الختام لابد من الإشارة إلى أن العمل التطوعي لا يقاس فقط بعدد الأنشطة المنفذة، بل بما يتركه من تغيير في طريقة تفكير الأفراد وعلاقتهم بمجتمعهم ،
ويبقى الاختبار الحقيقي أمام هذه المبادرات هو الانتقال من حماس اللحظة إلى ثقافة مجتمعية مستمرة، بحيث يصبح التطوع ممارسة راسخة تعتمد على على مشاركة أوسع تؤمن بأن صناعة التغيير مسؤولية مشتركة.

Leave a Comment
آخر الأخبار