الادخار الأسري.. ضرورة اقتصادية وثقافة اجتماعية لتعزيز الاستقرار

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – مركزان الخليل:

تحديات بالجملة تواجهها الأسرة السورية، بفعل سنوات الحرب الطويلة وما نتج عنها من ضغوط اقتصادية ونفسية واجتماعية وغيرها، الأمر الذي فرض واقعاً جديداً على المجتمع السوري، لا بد من حلول جذرية لمعالجته.
حيث يشكل الادخار الأسري أحد أهم أدوات المعالجة التي تلجأ إليها الأسر لمواجهة تقلبات الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، وبالتالي لم يعد الادخار مجرد وسيلة لتوفير المال، بل تحول إلى ثقافة اقتصادية واجتماعية تسهم في تعزيز الاستقرار الأسري، والحد من الأزمات المالية، وترسيخ قيم التخطيط للمستقبل، خاصة في ظل متغيرات اقتصادية متكررة ومستمرة.

الادخار لم يعد خياراً

الكثير من المهتمين والباحثين في واقع الأسرة السورية، وخاصة المختصون، يرون أن الادخار لم يعد خياراً لتحسين واقع الحال، بل أصبح خياراً مؤكداً، حيث يرى المختص في واقع الأسرة السورية محمد عيسى أن الادخار يمثل صمام أمان للأسرة، إذ يساعد على مواجهة النفقات الطارئة، وتأمين احتياجات التعليم والصحة، إضافة إلى توفير رأس مال صغير يمكن استثماره مستقبلاً في مشاريع إنتاجية أو منزلية، رغم محدودية دخل الأسر.

الادخار منظم للمصروف اليومي

«الحرية» حاولت توسيع دائرة الحديث حول هذه المسألة، والتقت الكثير من أرباب الأسر حول الادخار وكيفية الاستفادة منه في تحسين واقع الأسرة الاجتماعي والاقتصادي، حيث قال إبراهيم منعم، وهو رب أسرة لأربعة أفراد: «أصبحنا نضع ميزانية شهرية للأسرة، ونحاول الابتعاد عن المشتريات غير الضرورية، فحتى المبلغ البسيط الذي نوفره نهاية كل شهر يساعدنا عند حدوث أي ظرف طارئ».
وتشاطره الرأي فاتن هوشر، وهي ربة أسرة لستة أفراد، وتضيف أن الادخار لا يعني وجود دخل كبير، وإنما حسن إدارة الموارد المتاحة، من خلال إعداد قائمة بالمشتريات وتقليل الهدر للحاجيات الأساسية، وإعادة استخدام بعض المستلزمات المنزلية، في حين يرى رب الأسرة محمد إبراهيم أن الأسرة التي تمتلك خطة مالية واضحة تكون أكثر قدرة على تجاوز الظروف الاقتصادية الصعبة، مقارنة بالأسر التي تعتمد على الإنفاق العشوائي.

تعزيز للاستقرار المالي والنفسي

كما سلطت «الحرية» الضوء على الموضوع من وجهة نظر أكاديمية متخصصة، والبحث في أهمية الادخار في ظل ظروف اقتصادية صعبة، حيث أكد خبير التنمية البشرية محمد خير اللبابيدي أن الادخار والاستثمار يشكلان ركيزتين أساسيتين لتحقيق الاستقرار المالي للأسرة، وتعزيز أمنها الاقتصادي على المدى الطويل، مشيراً إلى أن التخطيط المالي الواعي، القائم على تخصيص جزء من الدخل للادخار واستثماره بصورة مدروسة، يسهم في تلبية الاحتياجات المستقبلية ومواجهة الظروف الطارئة.
وأوضح اللبابيدي أن الأمان الاقتصادي للأسرة يرتبط بجملة من العوامل، في مقدمتها استقرار مصادر الدخل وكفايتها وتنوعها، بما يضمن قدرة الأسرة على تلبية متطلباتها الأساسية والتعامل مع المتغيرات الاقتصادية.

إهمال قسري

مع الإشارة إلى أن جانب الادخار تعرض خلال السنوات الماضية لإهمال قسري لدى شريحة واسعة من الأسر السورية، نتيجة تراجع القدرة الشرائية وانخفاض مستويات الدخل مقابل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، الأمر الذي أدى إلى تراجع قدرة العديد من الأسر على تكوين مدخرات مالية.
وبيّن اللبابيدي أن غياب المدخرات يدفع كثيراً من الأسر إلى اللجوء للاستدانة لتغطية احتياجاتها الأساسية، ما ينعكس سلباً على أوضاعها المعيشية ويزيد من الضغوط النفسية والمالية التي تواجهها.

شبكة أمان مالي للأسرة

ولفت اللبابيدي إلى أن الادخار يعني تخصيص جزء من الدخل وعدم إنفاقه بصورة فورية، بهدف استخدامه مستقبلاً لتغطية الاحتياجات الطارئة أو تحقيق أهداف محددة، في حين يقوم الاستثمار على توظيف الأموال المدخرة في مجالات تحقق عائداً مالياً على المديين المتوسط والطويل، سواء من خلال الأصول المالية أو المشروعات الاستثمارية وغيرها.
وأكد أن الادخار يوفر شبكة أمان مالي للأسرة في مواجهة الظروف غير المتوقعة، مثل المرض أو فقدان مصدر الدخل أو النفقات الطارئة، كما يساعد في تحقيق أهداف مستقبلية، من بينها امتلاك مسكن، وتعليم الأبناء، وتحسين المستوى المعيشي، وبالتالي فإن ترسيخ ثقافة الادخار يسهم في تعزيز الاستقرار المالي والنفسي للأسرة، ويشجع على ترشيد الإنفاق والابتعاد عن الإسراف، بما يدعم بناء أسرة أكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية وتحقيق الاستدامة المالية والتنموية.

ركيزة للاستقرار

ومن هنا، يبقى الادخار الأسري أحد الركائز الأساسية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهو سلوك يبدأ بقرارات يومية بسيطة داخل المنزل، لكنه ينعكس إيجاباً على مستقبل الأسرة والمجتمع، وبالتالي، مع تنامي الوعي المالي، يمكن للادخار أن يتحول من مجرد وسيلة لمواجهة الأزمات إلى ثقافة مستدامة تدعم التنمية وتعزز الأمن الاقتصادي للأسر السورية، بما يعزز من وجودية وفاعلية الأسرة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

Leave a Comment
آخر الأخبار