الحرية – مها يوسف:
يعتقد بعض الآباء والأمهات أن تفضيل أحد الأبناء أو مقارنته بإخوته وسيلة لتحفيزه على النجاح أو تصحيح سلوكه، إلا أن هذا الأسلوب التربوي يحمل آثاراً نفسية عميقة قد ترافق الطفل حتى مرحلة الرشد، وتكمن المشكلة في أن كثيراً من الأهالي لا يدركون خطورة هذا السلوك إلا بعد أن تبدأ نتائجه بالظهور في شخصية الأبناء وعلاقاتهم الأسرية والاجتماعية.
أشكال متعددة للتفضيل
تؤكد الدكتورة مايا بركات، عضو الهيئة التدريسية في جامعة طرطوس – كلية التربية، قسم الإرشاد النفسي، أن التفضيل بين الأبناء لا يقتصر على صورة واحدة، بل يظهر بأشكال متعددة داخل الأسرة، من أبرزها تفضيل الطفل الأقرب إلى طباع الوالدين أو الأكثر هدوءاً، وتفضيل الابن المتفوق دراسياً أو الموهوب، إضافة إلى التفضيل المرتبط بالنوع الاجتماعي في بعض البيئات، حيث يحظى الذكور باهتمام أكبر من الإناث، فضلاً عن التفضيل المرتبط بالترتيب الولادي، سواء للابن الأكبر أو الأصغر.
وتوضح الدكتورة بركات أن اختلاف أشكال التفضيل لا يغيّر من نتائجه، إذ يشعر أحد الأبناء بأنه أقل قبولاً أو اهتماماً من أشقائه، وهو ما ينعكس تدريجياً على صحته النفسية وعلاقاته الأسرية.
آثار نفسية تبدأ في الطفولة وتمتد إلى الرشد
كما تشير الدكتورة بركات إلى أن أولى النتائج النفسية تظهر في مرحلة الطفولة من خلال الغيرة، حيث تتولد لدى الطفل مشاعر سلبية تجاه الأخ أو الأخت المفضلين، كما يتراجع تقديره لذاته ويترسخ لديه شعور بأنه أقل قيمة، ويزداد قلقه عندما يشعر بأنه غير قادر على تلبية توقعات والديه، وتضيف أن استمرار هذه المشاعر قد يدفع الطفل إلى التمرد أو العناد بوصفهما رد فعل على ما يشعر به من ظلم أو تمييز داخل الأسرة.
أما في مرحلة البلوغ، فتوضح الدكتورة بركات أن آثار التفضيل قد تستمر على شكل ضعف في الثقة بالنفس، وصعوبة في بناء العلاقات العاطفية نتيجة الشعور بعدم الاستحقاق، فضلاً عن ارتفاع احتمالات الإصابة بالاكتئاب عند الإخفاق في تحقيق تطلعات الأهل، إلى جانب استمرار التوتر والخلافات بين الأشقاء لسنوات طويلة.
لماذا يقع الأهل في فخ المقارنة؟
وترجع الدكتورة بركات هذه المشكلة إلى ضعف الوعي بالأساليب التربوية السليمة، ووضع توقعات غير واقعية لقدرات الأبناء، أو محاولة بعض الآباء تحقيق طموحاتهم الشخصية من خلال أطفالهم، إضافة إلى إسقاط الإحباطات الشخصية عليهم، وعدم إدراك أن الفروق الفردية بين الأطفال أمر طبيعي.
وتؤكد أنه لا توجد آثار إيجابية للمقارنة بين الأبناء، حتى وإن كانت نية الأهل حسنة، لأنها تخلق تنافساً غير صحي بين الإخوة، وتضع الطفل المتفوق تحت ضغط دائم للحفاظ على مكانته، في حين تحطم ثقة الطفل الآخر بنفسه وتضعف دافعيته.
علامات تستدعي الانتباه
وحسب الدكتورة بركات، فإن الطفل المتأثر بالتفضيل قد يظهر عليه عدد من المؤشرات النفسية والسلوكية، مثل التقلبات المزاجية، وكثرة البكاء، والعزلة، وقلة الحديث، والابتعاد عن المشاركة في الأنشطة العائلية، كما قد يظهر ذلك في صورة سلوك عدواني تجاه الذات أو الإخوة أو الوالدين، مع تزايد المشاجرات الأسرية، واستمرار الطفل في مقارنة نفسه بالآخرين أو تقليدهم سعياً للحصول على القبول.
ولا تتوقف الآثار عند الجانب النفسي، بل قد تنعكس على التحصيل الدراسي نتيجة فقدان الحافز، كما تؤدي إلى توتر العلاقة مع الوالدين، ليصبح المناخ الأسري أقل استقراراً وأماناً من الناحية العاطفية.
الوعي بداية العلاج
وتؤكد الدكتورة بركات أن معالجة هذه المشكلة تبدأ باعتراف الوالدين بوجودها، فوعي الأهل بخطورة التفضيل هو الخطوة الأولى نحو التغيير الحقيقي، إلى جانب التخلي عن أسلوب المقارنات واستبداله بالتقدير الفردي لكل طفل، وتضيف أن الطفل يحتاج إلى مساحة آمنة للتعبير عن مشاعره من دون لوم أو مقاطعة، مع التأكيد المستمر على أن قيمته لا ترتبط بالمقارنة أو بالإنجاز فقط، بل بما يمتلكه من صفات وإمكانات خاصة.
كما تشدد على أهمية الاهتمام بكل طفل بصورة مستقلة، وإبراز مواهبه ونقاط قوته، وتشجيع التعاون بين الإخوة من خلال الأنشطة المشتركة، مع الحرص على إظهار الحب والاهتمام بصورة متوازنة للجميع، والثناء على الجهد المبذول أكثر من التركيز على النتائج، بما يعزز شعور الأبناء بالإنصاف والانتماء داخل الأسرة، ويؤسس لعلاقات أسرية أكثر استقراراً وتماسكاً.