الحرية – علي الرّاعي:
كان مُقدراً على حي ساروجة بدمشق في يومٍ ما، غير مُحدد بدقة من سنة 1928م، إن يشهد ولادة مُبدع سوري ربما ستطول الأيام كثيراً حتى تأتي بمثله كإنسان وكمبدع اتسم إبداعه بالشمولية، وكأنّ هذا الرجل عاش ليبدع.. هو الفنان، ولا أدري أن كانت وحدها هذه الصفة – فنان- كافية لتُحيط بما قدمه الراحل نهاد قلعي خلال حياته التي وضعت لها الأقدار سنة 1993م خاتمة لها..

أحمد نهاد الخربوطلي القلعي
فما بين 1928م وحتى سنة 1993م؛ كانت تلك الفسحة التي منحتها الحياة لـ«أحمد نهاد الخربوطلي القلعي وهذا اسمه الحقيقي» لأن يكون فيها كاتباً ومخرجاً وممثلاً، وقاصاً.. ورغم الاسم الطويل في الاسم، غير أنّ شخصية درامية سيبتكرها الراحل القلعي، هي شخصية «حسني البورظان» ستعلق به طوال حياته، وسيكون الاسم القاتل لصاحبه فيما بعد.. تماماً كخالٍ على خد، أو لون عنين..
ليس هذا وحسب؛ بل كان نهاد قلعي مُبتكر الشخصيات المنمطة، أو تنميط الممثلين في شخصيات درامية استمرت معهم طوال حياتهم الفنية، وحتى الإنسانية، وعندما كانوا يتخلون عنها، غالباً ما كانوا يفشلون، أو على أقل تقدير لم تكن الشخصيات بالأسماء الجديدة تلقى الأريحية عند جمهور اعتاد على تلك الشخصيات النمطية، وهنا ستورد الذاكرة العشرات لمثل هذه الشخصيات، لعلّ أبرزها شخصية «غوار الطوشة» التي رافقت الفنان دريد لحام عمراً طويلاً، وكذلك شخصية «أبو صيّاح» التي لم يستطع الفنان رفيق سبيعي أن يخرج منها طوال شغله الفني، وهكذا شخصيات مثل «أبو عنتر» الفنان ناجي جبر، و«ياسينو» الفنان ياسين بقوش، و«فطوم حيص بيص» الفنانة نجاح حفيظ، و«بدري أبو كلبشة» الفنان عبد اللطيف فتحي، وغيرهم عشرات الشخصيات الدرامية التي كان لها قصب السبق في مختلف أنواع الدراما السورية من دراما تلفزيونية، ومسرح وسينما.. وكان هؤلاء هم السفراء للهجة السورية وانتشارها في مختلف العالم العربي جنباً إلى جنب مع اللهجة المصرية..
مها قلعي تتحدث
مناسبة الحديث عن الراحل نهاد قلعي، هو الكتاب الذي أعدتّه الشاعرة هناء أبو أسعد (نهاد قلعي) الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة، وخلاله ترصد أبو أسعد حياة هذا المبدع في مختلف شواغله الإبداعية، كما تُعرّج طويلاً على سرد حياته الإنسانية لاسيما من خلال لقائها مع ابنته (مها قلعي) آخر من تبقى من عائلة الراحل نهاد قلعي..
نهاد قلعي الذي ولد لأسرة دمشقية متوسطة في الحالة المادية، كانت بدأت مواهبه الفنية من سنين مُبكرة، حيث لفت إليه الانتباه من خلال الحفلات المدرسية.. فحتى القصائد التي كان يُلقيها في مثل هذه الاحتفالات؛ كان يُلقيها بانفعال ما، يصل حد البكاء أحياناً إذا ما كانت شواغل القصيدة تحملُ مثل هذه الجرعات الدرامية العالية..
هذا ما كان خلال دراسته حتى حصوله على «السرتفيكا» لكن عندما يصل للدراسة الثانوية في ثانوية التجهيز الأولى – ثانوية جودت الهاشمي- ويتعرف على الفنان المتعدد عبد الوهاب أبو السعود، ووصفي المالح سيكون قادراً على أداء أول أدواره الفنية، والتي ستكون على خشبة مسرح «الهبرا» في حي القصّاع بدمشق من خلال مسرحية (مجنون ليلى) وحينها بدأ حلمه الفني يتبلور، وإن جاءت الظروف مُعاكسة لدراسة الفن دراسة أكاديمية في معهد التمثيل بمصر – حلم أي ممثل في ذلك الحين.
أول مدير للمسرح القومي
وقبل أن يؤسس (النادي الشرقي) كما تروي أبو أسعد، كان على نهاد قلعي أن يتنقل بعشرات المهن لعلّ أبرزها «ضارب آلة كاتبة» التي كانت سبباً في تعرفه على زوجته المُدرسة نبيهة عنتبلي، والتي توفيت سنة 2015، بعد وفاة ابنها الوحيد بشار.. لكن بعد تأسيسه للنادي المذكور، فمن خلاله قدم أكثر من مسرحية على مختلف مسارح دمشق وكل ذلك قبل أن تُسند إليه مهمة أول مدير للمسرح القومي في سوريا سنة 1960م..
لكن قبل كل ذلك كان القلعي انتسب إلى نادي آخر قبل نادي الشرق، هو نادي «استديو البيرق» الذي أسسه شفيق المنفلوطي، وكانت أول مسرحية على مسرح «سينما عايدة» في ساحة الحجاز.. وفي سنة 1954م أسس القلعي «النادي الشرقي» مع سامي جانو، عادل خياطة، عدنان عجلوني، ونزار براقي.. ومن خلال هذا النادي قدم عشرات المسرحيات، أولها كانت «الأستاذ كلينوف» على مسرح اللاييك، ومن خلالها اكتشف لديه الحس الكوميدي الذي اتسمت به جميع أدواره اللاحقة فيما بعد..
وفي عام 1960م، سيكون القلعي أول مدير للمسرح القومي، وكان حينها رفيق الصبان مديراً للمسارح حيث ستتواجه الرؤيتان بين تقديم المسرحيات النخبوية الكلاسيكية العالمية التي يُمثلها الصبّان الدارس في لندن، وبين المسرحيات التي تحمل الحس الشعبي وأحياناً الشعبوي الذي يُمثله القلعي..
وحين قدّم الصبّان أول عروضه وهي مسرحية “براسكوفيا” لاقت استحسان النقاد ولم تلق الحفاوة الجماهيرية، فيما قدّم القلعي مسرحية “المزيفون” لمحمود تيمور ولاقت الإقبال الجماهيري الواسع..
بين النخبوية والشعبوية
وبعد خمسة عشر عاماً من العمل المسرحي؛ جاءت ولادة التلفزيون، وبدأ نهاد العمل فيه منذ اليوم الأول سنة 1960.. حيث دُعيّ للمشاركة في برنامج المنوعات «الإجازة السعيدة» الذي يُعرض في سهرة كل خميس، وهو برنامج ترفيهي منوّع كتبه الفنان محمود جبر ودريد لحام، وقدمه كل من: دريد لحام، نهاد قلعي، محمود جبر، غازي الخالدي، محمود المصري، وتاج باتوك.. وفي هذا البرنامج التقى نهاد ودريد بعد عدة حلقات من «الإجازة السعيدة» حيث ترك معظم المُقدمين البرنامج، وبقي الأخيران فقط حيث غيرا الاسم إلى «سهرة دمشق» إخراج خلدون المالح، وسيُشكّل الرجلان – دريد ونهاد- أول ثنائي فني في العالم العربي كتابة وتمثيلاً وأحياناً إخراجاً، وفي مختلف الأعمال الدرامية: المسرح والسينما والتلفزيون.. نذكر منها: مقالب غوار، حمام الهنا، وصّح النوم، وأربع وعشرون فيلماً سينمائياَ منها: عقد اللولو، فندق الأحلام، اللص الظريف، خياط السيدات، مسك وعنبر، وآخرها كان فيلم “عندما تغيب الزوجات”..
أما عن قصة شخصية «حسني البورظان»، فيذكر الفنان القلعي نفسه: «كان اسمي حسني في برنامج سهرة دمشق، وذات مرة كنت أتحدّث بالهاتف على الهواء مباشرةً، وأقوم بالتمثيل، وفي لحظة نسيت الحوار، وحاولت تذكره، فقلت والسماعة بيدي أنا حسني.. وفي تلك اللحظة لمحت خلف الكواليس أحد أفراد الفرقة الموسيقية يحمل “بورظان – آلة موسيقية نفخية”، فقلت حسني البورظان، وأعجب الجمهور بهذا الاسم الذي اخترعتّه المُصادفة، وأصبح أسمي منذ ذلك الحين.. هذا الاسم الذي كان قاتلاً له عندما ناده أحدهم به في مقهى عام أدى إلى مشاجرة كبيرة وصلت لأن يُصاب بالشلل بأحد أطرافه، ومن ثمّ المكوث الطويل في المنزل، الأمر الذي عجّل في الخاتمة.