«طريق العودة».. دراما سورية تنبش ذاكرة اللجوء وتبحث عن الإنسان

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية ـ ميسون شباني:
في واحد من أكثر المشاريع الدرامية اقتراباً من الوجع السوري، تواصل المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي تصوير السباعية الجديدة «طريق العودة»، التي تغوص في ذاكرة اللجوء السوري، وتعيد قراءة سنوات الحرب من زاوية إنسانية مشبعة بالألم والأسئلة والأمل المؤجل.
العمل الذي دخل مراحله الأخيرة من التصوير، لا يكتفي باستعادة صورة المخيم بوصفه مكاناً للمعاناة، بل يحاول تفكيك الحياة التي تشكلت داخله، والعلاقات الإنسانية التي وُلدت تحت ضغط الفقد والخوف والانتظار، في دراما تمزج بين الواقعية والإثارة، وتقترب من التفاصيل الصغيرة التي صنعت يوميات السوريين خلال سنوات النزوح.

الواقعية بطلة المشهد

في منطقة يعفور بريف دمشق، بُني مخيم متكامل خصيصاً لخدمة أحداث العمل، في خطوة تعكس الرغبة في خلق بيئة بصرية شديدة الواقعية، تضع المشاهد داخل التجربة لا على هامشها. هناك، تتحرك الشخصيات وسط الخيام والطرقات الضيقة والوجوه المتعبة، لتروي حكايات عن الفقد والانتماء والبحث المستمر عن معنى الوطن. المخيم هنا ليس مجرد خلفية للأحداث، بل كائن حي ينبض بالحكايات، ويختزن ذاكرة جماعية ثقيلة عاشها السوريون لسنوات.

حكايات من الهامش

كتب السباعية سليمان عبد العزيز، وأخرجها فادي وفائي، وهي تتناول مصائر شخصيات دفعتها الحرب إلى حافة الانتظار، حيث تتقاطع حكايات اللاجئين مع قصص المعتقلين والمفقودين والعائلات الممزقة، ضمن معالجة درامية تطرح أسئلة عميقة حول الهوية والانتماء، وتساؤلات عن المصير وما الذي يبقى من الإنسان حين يُجبر على البدء من جديد.
يستعيد العمل لحظات مفصلية سبقت سقوط النظام، متتبعاً التحولات النفسية والاجتماعية التي عاشها السوريون داخل البلاد وخارجها، في محاولة لتوثيق تلك المرحلة بلغة إنسانية بعيدة عن الخطابة والمباشرة.

عين على التفاصيل الإنسانية

يقدم المخرج فادي وفائي رؤيته للعمل بوصفه مساحة للبوح الجماعي، مؤكداً أن «طريق العودة» لا يركز فقط على مأساة المخيمات، بل على البشر الذين عاشوا داخلها، بكل تناقضاتهم وهشاشتهم ومحاولاتهم المستمرة للتشبث بالحياة. ويشير وفائي إلى أن العمل يتناول أيضاً شخصيات وجدت نفسها في قلب الحرب رغماً عنها، في مقاربة تحاول فهم التعقيدات الإنسانية التي فرضتها سنوات الصراع، بعيداً عن الأحكام الجاهزة أو الصور النمطية.

لا نريد مخيماً يشبه نشرات الأخبار

من جهته، يرى الفنان فراس إبراهيم أن قوة العمل تكمن في ذهابه نحو التفاصيل التي لا تلتقطها الكاميرات الإخبارية، موضحاً أن الهدف لم يكن إعادة إنتاج صور البرد والطين والبؤس فقط، بل الكشف عن الحياة التي نشأت داخل المخيمات، وكيف استطاع الناس خلق أشكال من التعليم والعمل والتعاون والتكافل رغم كل شيء. ويضيف أن النص خضع لعدة تعديلات بهدف الاقتراب أكثر من الإنسان، ومن العلاقات التي صنعتها الضرورة، ومن القدرة المدهشة للسوريين على الاستمرار رغم الانكسارات.
كما تؤدي الفنانة ربى المأمون شخصية “هدى”، وتقول عنها إنها رصد لتفاصيل امرأة تدخل عالم المخيمات برفض وخوف، قبل أن تجد نفسها جزءاً من تلك الحياة، في تحول يعكس قدرة الإنسان على التكيف والانخراط في مصائر الآخرين.

نجوم يحملون ثقل الحكاية

يضم العمل نخبة من نجوم الدراما السورية، بينهم: روزينا لاذقاني، ريم علي، محمد حداقي، جوان خضر، رامز الأسود، فراس إبراهيم، نوار بلبل، زامل الزامل، ياسر البحر، بلال قطان، ريم كوسا، أحمد الرفاعي، وفراس دكاك، في توليفة تمثيلية تجمع بين الخبرة والحضور الإنساني القادر على حمل حساسية الموضوع. وهو من إنتاج المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني والإذاعي.

نحو دراما تستعيد الإنسان

بعيداً عن المعالجات التقليدية، يبدو “طريق العودة” محاولة لصناعة دراما سورية أكثر قرباً من الناس، وأكثر اشتباكاً مع ذاكرتهم الجماعية، عبر سردية إنسانية تحاول فهم ما حدث، لا الاكتفاء بسرده. وهو عمل يبحث في الخراب عن ملامح النجاة، وفي الذاكرة عن فرصة جديدة للحياة، واضعاً الإنسان السوري في مركز الحكاية، بكل ما يحمله من ألم وأمل ورغبة في العودة… إلى البيت، وإلى نفسه.

Leave a Comment
آخر الأخبار