عيد الأضحى في دير الزور.. الأضاحي لمن استطاعها.. طقوس دينية وعادات حاضرة وأماكن غابت

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – عثمان الخلف:

يحضر عيد الأضحى المبارك في صباحات أهالي دير الزور بالتهليل والتكبير الذي ينطلق من مآذن الجوامع، لا يُنغّص ضيق ذات اليد فرحة العيد، ليحلّ وتحل معه طقوس اجتماعية ودينية متوارثة تعكس الكرم والألفة، حيث يكون الأهالي قد جهزوا منازلهم نظافة وترتيباً، فيما أعدت النسوة حلوى الدير الشهيرة «الكليجة»، ويذبح الأضاحي من استطاع إليه سبيلاً، وما يلي ذلك من زيارات الأقارب وتبادل التبريكات، مع التركيز على صلة الرحم وتقديم «العيدية» للأطفال.

عادات حاضرة وأماكن غابت

في صباح العيد يذهب المصلون إلى المساجد لأداء صلاة عيد الأضحى في المدن والأرياف، ليستجد مشهد جديد بعد انتصار الثورة السورية وتحرير الوطن من نير الديكتاتورية، فقد بات الملعب البلدي يحتضن آلاف المصلين، كما يشير الباحث في التراث المهندس غسان الشيخ.

لا تزال كثير من طقوس العيد حاضرة، يؤكد الشيخ، إذ تبدأ النسوة بـ«تعزيل» (تنظيف) البيوت، بعد أن أنهين تجهيز كسوة العيد والتي غالباً ما تكون للأطفال حصراً، لا سيما هذه الأيام.

بعد عودة المصلين من الرجال والشباب والفتية، تُعد ربة المنزل مائدة الإفطار على عجل، قبل حضور المهنئين من أقارب ومعارف وأصدقاء، هنا يُعطى الأطفال الصغار «العيدية»، وغالباً ما يقوم بذلك الأب أو الأخ الأكبر.

ويضيف: «لم يغيّر الزمن كثيراً في طقوس عيد الأضحى عند الديريين، إذ لا تزال العوائل حريصة على زيارة قبور موتاها لقراءة الفاتحة على أرواحهم، بعض الرجال يزورون عقب أداء صلاة العيد وحدهم أو رفقة أبنائهم من الكبار، فيما لا تزال عوائل تحرص على زيارة القبور مجتمعة، ليعقب ذلك الاجتماع في البيت الكبير للعائلة عند الجد والجدة، ومن ثم تبادل الزيارات مع الجيران والأقارب».

يوم العيد يقضيه الأطفال باللعب على المراجيح وسواها من الألعاب، سواء في الحدائق والساحات أو في أزقة الحارات، فيما تحتضن المقاصف والمنتزهات على شاطئ نهر الفرات سهرات الشباب والكثير من العائلات، وهي باتت معدودة.

الجراديق والجرداق.. منتزهات تقليدية غابت

يلفت الشيخ إلى غياب «الجراديق» و«الجرداق» – ويقال إنها فارسية وهناك من يقول إنها تركية – وهي منتزهات صيفية تقليدية مبنية من الخيزران والأعمدة الخشبية في الهواء الطلق وتحت الأشجار الباسقة على ضفاف النهر، وكانت تقع بالقرب من الجسر المعلق. وأشهرها: جرداق حمود العبد، جرداق حسون، جرداق عيد الصياح، جرداق رزوق، وجرداق أو منتزه إشبيلية. وكانت تُبنى من مواد بسيطة (خيزران، حطب، كراسي خشبية) فوق ضفاف الفرات أو داخل مياه النهر الضحلة، ويُقدم فيها أنواع المشاوي، وأبرزها «الكباب الديري»، ومن المشروبات القهوة والشاي المخمر. وحالياً، ما هو موجود من مقاصف ومطاعم أصبح مسقوفاً.

ويتابع الباحث الشيخ: «في ريف دير الزور لا تزال العلاقات أقوى ترابطاً، وطبيعة المجتمع العشائرية تفرض نفسها، وتبادل التهاني بالعيد يمتد طيلة أيامه، وفي الغالب يحتضن بيت الجد الأبناء والأحفاد، فيكون الملتقى للتبريكات، فيما تحرص كثير من العوائل أن يكون غداء اليوم الأول مناسف اللحوم، والتي باتت تقتصر على لحم الفروج».

الأضحية.. لمن استطاع إليها سبيلاً

لا يزال ذبح الأضاحي قائماً، ويتم في اليوم الأول من العيد وتوزيع اللحوم على الأقارب والفقراء والجيران، كما يبيّن الباحث الشيخ، لافتاً إلى أن الأمر بات يقتصر على ميسوري الحال نتيجة ارتفاع أسعارها، حيث باتت الخراف تباع بأسعار تبدأ من 3 إلى 4 ملايين ليرة، والنعاج أكثر، فيما تبدأ أسعار الكباش من 9 إلى 10 ملايين، والعجول الصغيرة بين 10 و11 وحتى 12 مليون ليرة، والبقرة الحلوب 12 مليون ليرة. ولا يزال ذبح الأضاحي في الأرياف أكثر.

الكليجة.. حلوى العيد بطقوسها الخاصة

لا يخلو منزل في دير الزور من حلوى «الكليجة»، وتُعد كما يقول الشيخ في عيدي الأضحى والفطر.

في حين تؤكد السيدة الستينية أم أحمد أن ربات المنازل اعتدن البدء بتحضيرها قبل يوم العيد، لتُقدم للزوار المباركين صبيحة العيد، وحول مكوناتها تقول: «تتضمن مكونات تحضير الكليجة: الطحين الأبيض، السمن البلدي، السكر والماء مع مطيبات أو ما تُسمى محلياً بـ”الحوايج” من يانسون وشمر وزنجبيل وجوز الطيب وهيل وقرنفل وقرفة وحبة البركة وسمسم وملعقة كبيرة بيكنج باودر ورشة ملح».

وحول طريقة تحضيرها، بيّنت السيدة أم أحمد أنه يُخلط الطحين والبهارات والسمسم وحبة البركة والبيكنج باودر، ثم يُضاف السمن والزيت ويفرك الطحين جيداً حتى يتشرب المادة الدهنية، ثم يُضاف خليط السكر والماء بالتدريج وتُعجن حتى تتماسك العجينة، وتُترك لترتاح لمدة ساعتين على الأقل، ثم تُشكل على هيئة أقراص (مربعات أو دوائر) وتُزين، ثم تُدهن بالبيض والحليب وتُخبز في فرن محمّى حتى تكتسب اللون الذهبي.

الكليجة.. من التنور العربي إلى المحال التجارية

أشارت السيدة فضيلة الحسن إلى أن نساء دير الزور منذ سنوات خلت كنّ يصنعن «الكليجة» على التنور العربي، وكانت مناسبة لاجتماع زوجات الإخوة أو نساء الحارة، وكانت تلك العادة أكثر وضوحاً في الأرياف، بل وحتى في المدن، حيث كانت بعض العوائل تحرص على وجود التنور أعلى سطح منازلها. فيما اليوم بات لها محال كثيرة لصناعتها وبيعها، وأكثر من اشتهرت بذلك عائلة «قربون» التي اقترنت «الكليجة» باسمها.

هذا ويصل سعر الكيلو الواحد منها إلى 30 ألف ليرة سورية، كما توضح السيدة الحسن، فيما لا تزال نساء كثيرات يصنعنها في منازلهن بعد جلب المقادير اللازمة ووفق الحاجة. ومشيرةً إلى أنه رغم غلبة حضور «الكليجة»، إلا أنه يتم جلب حلويات أخرى مثل «البيتفور» و«المعمول»، حيث يبلغ سعر الكيلو الواحد منها 35 ألف ليرة.

 

 

Leave a Comment
آخر الأخبار