“اغتراب الروح – عودة إلى المعنى” في ثقافي صافيتا 

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

‏الحرية – فادية مجد :

‏أُقيمت في المركز الثقافي في صافيتا اليوم  محاضرة للروائية جيهان مصطفى تناولت فيها إشكالية اغتراب الروح، وذلك ضمن محاضرتها المعنونة «اغتراب الروح – عودة إلى المعنى»، والتي سلطت الضوء فيها على واحدة من أكثر قضايا الإنسان المعاصر إلحاحاً.

‏وبينت مصطفى في مستهل حديثها أن المحاضرة تنطلق من سؤال سقراط الخالد «اعرف نفسك»، معتبرة أنه المدخل الفلسفي الأعمق لفهم المفارقة التي يعيشها الإنسان اليوم، إذ بلغ مستويات غير مسبوقة من التقدم المادي والتقني، لكنه في المقابل يواجه أزمة حادة في المعنى والطمأنينة.

‏وأوضحت أن الإنسان الحديث يعيش ما سمّته «الوفرة الناقصة»، حيث تتكاثر الوسائل وتتسع الخيارات، بينما يتراجع الإحساس بالغاية، مبينة أن التطور العلمي والتكنولوجي، رغم أهميته، لم ينجح في الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى، بل ساهم – بشكل غير مباشر – في تهميشها لصالح منطق الإنتاج والاستهلاك، الأمر الذي حوّل الإنسان من كائن يبحث عن المعنى إلى كائن يسعى إلى الامتلاك، ومن ذاتٍ تتأمل وجودها إلى وظيفة تؤدي أدواراً متسارعة في عالم مضطرب.

‏وأشارت مصطفى إلى أن جذور الأزمة تعود إلى النزعة الاختزالية التي هيمنت على فهم الإنسان، حيث جرى تقليصه إلى مجرد كيان بيولوجي أو نفسي تحكمه قوانين مادية، مع إقصاء البعد الروحي الذي يمنحه فرادته وعمق تجربته، لافتة إلى أن هذا الاختزال جعل الإنسان عاجزاً عن تفسير القلق الذي يعيشه، لأن الأدوات المادية لم تعد كافية لفهم أزمات ذات طبيعة معنوية وروحية.

‏وبيّنت أنه من خلال هذه المحاضرة نقدم رؤية دينية فلسفية متكاملة للروح، لا بوصفها عنصراً ثانوياً، بل جوهر في تكوين الإنسان ومصدر لمعناه، فالروح – كما قالت – هي التي تمنح الأفعال قيمتها، وتربط الإنسان بما يتجاوز حدود المنفعة واللحظة، مؤكدة أن إقصاء هذا البعد يؤدي إلى اختلال داخلي عميق مهما بلغ الإنسان من نجاح خارجي.

‏كما أوضحت أن العلاقة بين المادة والروح ليست علاقة صراع كما يتصور البعض، بل علاقة ترتيب أولويات، فالمادة وسيلة، والروح غاية، مؤكدة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التقدم المادي ذاته، بل في غياب الإطار القيمي الذي يوجّه هذا التقدم ويمنحه معنى.

‏وفي سياق الحلول أشارت مصطفى إلى ضرورة استرداد المعنى عبر مسارات متكاملة، أبرزها إعادة إحياء السؤال الفلسفي في حياة الإنسان، واستعادة القدرة على التأمل في زمن يهيمن عليه الضجيج، وتفعيل البعد الديني كتجربة وجودية حيّة لا كممارسات شكلية، إضافة إلى ترجمة القيم الأخلاقية إلى سلوك يومي يعيد للإنسان اتساقه الداخلي.

‏وقدّمت خلال المحاضرة نماذج واقعية تعكس المفارقة التي يعيشها الإنسان المعاصر، حيث قد نجد شخصاً ناجحاً مادياً، لكنه يعاني من القلق والفراغ، في مقابل آخر محدود الإمكانات لكنه أكثر طمأنينة ورضى، منوهة بأن الفارق لا يكمن في حجم الموارد، بل في طبيعة الرؤية التي ينظر بها الإنسان إلى حياته.

‏واختتمت مصطفى محاضرتها بالتأكيد على أن أزمة الإنسان اليوم ليست أزمة نقص، بل أزمة اتجاه، ليست في قلة ما يملك، بل في غموض ما يعنيه أن يكون، مشددة على أن استرداد المعنى لا يتحقق بالانسحاب من العصر، بل بإعادة بناء العلاقة مع الذات، واستعادة التوازن بين المادة والروح، بحيث يعيش الإنسان في العالم دون أن يفقد نفسه فيه.

‏يذكر أن المحاضرة جيهان عدنان مصطفى حاصلة على الإجازة في اللغة العربية، وتعمل مدرّسة وروائية، ولها رواية مطبوعة وأعمال في فن القصة، وتكتب قصيدة التفعيلة والنثر، إضافة إلى مجموعة من المحاضرات التي تناولت فيها موضوعات فكرية وفلسفية، كما شاركت في فعاليات متعددة داخل المراكز الثقافية، ولها كتابات منشورة في عدد من الصحف السورية، وتستعد لإصدار كتب جديدة قيد الطباعة.

‏‏- جيهان مصطفى

‏- اغتراب الروح

‏- البحث عن المعنى

‏- الوفرة الناقصة

‏- التوازن الوجودي

Leave a Comment
آخر الأخبار