الحرية – وداد محفوض:
لم يعد الإخفاق الدراسي مجرد مشكلة تعليمية ترتبط بضعف التحصيل أو الرسوب في الامتحانات، بل بات ظاهرة تعكس تأثير الظروف النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الطالب، ولا يمكن اختزال الرسوب في قلة الاجتهاد، حيث نجد وراء كل حالة إخفاق قصة مختلفة تستحق الفهم والمعالجة، لما تتركه من آثار على الطالب وأسرته والمجتمع بأكمله.
ضغوط المعيشة الصعبة وتوتر أسري
وفي استطلاع لـ«الحرية» حول هذه الظاهرة في طرطوس، بيّن الطالب أحمد (في المرحلة الثانوية) أنه وجد نفسه مضطراً إلى مساعدة أسرته في تأمين متطلبات الحياة اليومية، ما انعكس على وقته المخصص للدراسة، مبيناً أنه كان يعود إلى المنزل مرهقاً بعد ساعات العمل، ولم يعد يملك الطاقة الكافية لمتابعة دروسه أو التحضير للامتحانات.
وأضاف أن الظروف الاقتصادية شكلت عبئاً كبيراً عليه، لكنه ما زال يحاول استعادة مستواه الدراسي وتحقيق النجاح رغم الصعوبات.
أما الطالبة سارة (في المرحلة الإعدادية)، فأكدت أن الخلافات المستمرة داخل الأسرة كانت سبباً رئيسياً في تراجع تحصيلها الدراسي، لافتة إلى أنها كانت تذهب إلى المدرسة محملة بالقلق والتفكير بالمشكلات الموجودة في المنزل، ما أفقدها التركيز داخل الصف أو متابعة شرح المعلمين، موضحة أنها نتيجة لذلك تركت الدراسة.
عوامل ذاتية وخارجية
في هذا السياق، أوضحت الدكتورة لينا غانم، من قسم الإرشاد النفسي في جامعة طرطوس، في تصريح لـ«الحرية»، أن الإخفاق الدراسي ينتج عن مجموعة من العوامل المتداخلة، بعضها يرتبط بالطالب نفسه وبعضها الآخر بالبيئة المحيطة به.
وأشارت إلى أن العوامل الذاتية تشمل ضعف بعض القدرات العقلية كالتذكر والانتباه، والمشكلات الصحية المزمنة أو اضطرابات السمع والبصر، إضافة إلى ضعف الثقة بالنفس والخجل والشعور بالنقص. كما تعد الاضطرابات النفسية، مثل القلق والاكتئاب والعزلة، من أبرز الأسباب التي تؤثر في قدرة الطالب على التعلم والاستمرار في التحصيل الدراسي.
الأسرة والمجتمع دور حاسم
وأكدت الدكتورة غانم أن الأسرة تشكل الركيزة الأساسية في نجاح الطالب أو إخفاقه، فالدعم العاطفي والاهتمام بالتعليم يعززان فرص النجاح، بينما تؤدي الخلافات الأسرية والقسوة والإهمال إلى خلق بيئة غير مستقرة نفسياً تؤثر في أداء الأبناء.
ولفتت إلى أن البيئة الاجتماعية والثقافية تلعب دوراً مهماً، إذ ينعكس مستوى الوعي بأهمية التعليم على اتجاهات الطالب ودافعيته نحو الدراسة، في حين قد تؤدي البيئات غير المشجعة إلى ضعف الاهتمام بالتعلم.
المدرسة شريك في المسؤولية
ورأت الدكتورة غانم أن بعض أسباب الإخفاق ترتبط بالمؤسسة التعليمية نفسها، ومنها ضعف أساليب التدريس، وصعوبة المناهج، وازدحام الصفوف الدراسية، وعدم مراعاة الفروق الفردية بين الطلاب.
وأضافت أن الاعتماد على العقاب بدلاً من التشجيع، أو غياب البيئة المدرسية المناسبة من حيث الإضاءة والتهوية والنظافة، قد يسهم في زيادة احتمالات الرسوب.
آثار تتجاوز الطالب إلى محيطه
لا تقتصر نتائج الإخفاق الدراسي على الطالب وحده، بل تمتد إلى أسرته ومدرسته ومجتمعه، فالطالب الراسب غالباً ما يعاني من ضعف الثقة بالنفس والانطواء والشعور بالإحباط، ما قد يؤثر في مستقبله التعليمي والمهني، كما يؤدي تكرار الرسوب إلى أعباء إضافية على العملية التعليمية، سواء من حيث الحاجة إلى توفير كوادر تعليمية أكبر أو استيعاب أعداد متزايدة من الطلاب المعيدين.
نحو بيئة داعمة للنجاح
كذلك شددت غانم على أهمية تضافر جهود الأسرة والمدرسة والمرشد النفسي لمعالجة المشكلة، من خلال تعزيز ثقة الطالب بنفسه، ومساعدته على تجاوز الصعوبات النفسية والاجتماعية، وتوفير بيئة تعليمية تراعي احتياجاته وقدراته.
وأكدت أن تغيير النظرة السلبية تجاه الطالب الراسب ومنحه فرصة جديدة للنهوض من جديد يشكلان خطوة أساسية في الحد من ظاهرة الإخفاق الدراسي وتحويلها إلى تجربة يمكن تجاوزها نحو النجاح.