الاستثمار في الطاقة المتجددة ركيزة الاقتصاد المستدام في المرحلة المقبلة

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – سمر رقية:

في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة وارتفاع الحاجة إلى مصادر طاقة مستدامة، تتجه الأنظار نحو قطاع الطاقة المتجددة بوصفه أحد أبرز الخيارات القادرة على دعم مسار التنمية الاقتصادية.

ومع تنامي المبادرات والاستثمارات الرامية إلى توسيع الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يبرز هذا القطاع كأحد الملفات الاستراتيجية التي يُعوَّل عليها في تعزيز أمن الطاقة وتحفيز الإنتاج وخلق فرص عمل جديدة.

ضرورة بيئية واقتصادية

في هذا السياق، أضاء رئيس قسم الطاقات المتجددة في كلية الهندسة التقنية بجامعة طرطوس، الدكتور المهندس جاسم يوسف، في تصريح لـ”الحرية” على أهمية هذا القطاع وآفاقه المستقبلية، موضحاً أبعاده البيئية والاقتصادية والاستراتيجية، حيث أكد أن التحول نحو الطاقة المتجددة لم يعد خياراً ترفياً، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية في ظل الأزمات المناخية وتقلبات أسعار الوقود الأحفوري والضغوط الاقتصادية العالمية.

فالتوسع في استخدام الطاقة المتجددة حسب د. يوسف يسهم في الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والغازات الدفيئة، ما يخفف من ظاهرة الاحتباس الحراري، كما يحد من التلوث الهوائي والمائي والبيئي، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الصحة العامة من خلال تقليل الأمراض المرتبطة بالتلوث، مثل أمراض الجهاز التنفسي والقلب. إضافة إلى ذلك، يساهم هذا التحول في حماية الموارد الطبيعية، نظراً لكون الوقود الأحفوري مورداً محدوداً قابلاً للنضوب، بينما تعتمد الطاقة المتجددة على مصادر مستدامة كالشمس والرياح.

تعزيز الأمن الطاقي

واضاف د. يوسف ساهم هذا القطاع في تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وتعزيز الأمن الطاقي، كما يحقق استقراراً في التكاليف على المدى الطويل نتيجة انخفاض تكاليف التشغيل والصيانة مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية، كذلك يتيح فرص عمل جديدة، وينشط الاقتصاد المحلي، ويجذب الاستثمارات، خصوصاً في ظل التوجه العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، كما يعزز تنويع مصادر الطاقة، ما يقلل من مخاطر الانقطاع أو الاعتماد على مورد واحد.

وتتمثل الأهمية الاستراتيجية في تعزيز الاستقلال الاقتصادي من خلال إنتاج الطاقة محلياً اعتماداً على الشمس والرياح، بما يقلل من التأثر بالصراعات الدولية وتقلبات أسواق النفط والغاز، كما يساهم في التوافق مع الالتزامات الدولية المتعلقة بالمناخ، ولا سيما اتفاقية باريس للمناخ، في وقت يواجه فيه العالم أزمات بيئية واقتصادية متزامنة.

ركيزة للاقتصاد المستدام

ويرى د. يوسف أن الطاقة المتجددة تمثل بالفعل ركيزة أساسية للاقتصاد المستدام، لكونها تحقق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، وتقلل الاعتماد على الموارد غير المتجددة، وتدعم الاستقرار الاقتصادي على المدى البعيد، إضافة إلى دورها في خلق فرص تنموية وتعزيز الابتكار، مشيراً إلى أن نجاح هذا القطاع يتطلب تكامله مع منظومة أوسع تشمل ترشيد استهلاك الطاقة، وتحسين كفاءة الإنتاج، وإعادة التدوير، ووضع سياسات وتشريعات بيئية داعمة.

فرص عالمية واعدة

ولفت د. يوسف في مجال الطاقة إلى أن قطاع الطاقة المتجددة يعد من أكبر مجالات الاستثمار نمواً عالمياً خلال العقد الحالي، حيث يشهد توسعاً متسارعاً من حيث حجم الاستثمارات والفرص.

وأوضح أنه وفقاً لتقديرات حديثة، بلغ إجمالي الاستثمار العالمي في انتقال الطاقة نحو 2.3 تريليون دولار في عام 2025 بحسب BloombergNEF، فيما تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن إجمالي الاستثمارات في قطاع الطاقة بلغ 3.3 تريليونات دولار، مع توجيه نحو 2.2 تريليون دولار للتقنيات النظيفة.

وتتنوع الفرص الاستثمارية بين تطوير محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتوسيع حلول التخزين، وتطوير الشبكات الذكية، إضافة إلى مجالات الابتكار في تقنيات الطاقة النظيفة.

جدوى اقتصادية

ونوه د. يوسف بأن التوجهات العالمية تؤكد أن الطاقة المتجددة أصبحت في كثير من الحالات أكثر جدوى اقتصادية من الطاقة التقليدية، خاصة على المدى الطويل، إذ تتميز بانخفاض تكاليف التشغيل واستقرار الأسعار مقارنة بتقلبات أسعار الوقود الأحفوري.

كما أن انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح خلال السنوات الأخيرة يقول د. يوسف، جعلها تنافس، بل وتتفوق في بعض الأسواق، على مصادر الطاقة التقليدية، إضافة إلى أنها لا تتطلب تكاليف مستمرة لتأمين الوقود.

ومع ذلك، تختلف الجدوى الاقتصادية بحسب طبيعة كل دولة، ومستوى البنية التحتية، وحجم الاستثمار الأولي المطلوب.

تحديات تواجه المستثمرين

وأشار د. يوسف إلى أنه رغم جاذبية القطاع، إلا أن المستثمرين يواجهون مجموعة من التحديات، أبرزها: ارتفاع التكلفة الأولية للمشروعات، وتقلب السياسات الحكومية والدعم، وصعوبات تخزين الطاقة وعدم استقرار الإنتاج، وضعف البنية التحتية للشبكات الكهربائية، وصعوبة الحصول على التمويل، والتطور السريع للتكنولوجيا وما يرافقه من مخاطر تقنية، وتقلب أسعار المعدات وسلاسل الإمداد، وتحديات تخصيص الأراضي وإجراءات الترخيص، وغموض العائد في بعض الأسواق الناشئة.

آفاق مستقبلية

وبالرغم من التحديات، يتوقع الدكتور يوسف أن يشهد قطاع الطاقة المتجددة نمواً متسارعاً خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بتطور تقنيات التخزين، وانخفاض تكلفة البطاريات، وتقدم تقنيات الهيدروجين الأخضر، وتوسع شبكات الطاقة الذكية. كما أن تزايد الوعي البيئي لدى الحكومات والشركات والمجتمعات سيعزز من مكانة هذا القطاع كخيار اقتصادي وتنموي لا غنى عنه في المستقبل.

تنمية مستدامة

وختم يوسف حديثه بأن الطاقة المتجددة لم تعد مجرد بديل تقني لإنتاج الكهرباء، بل أصبحت محوراً أساسياً في معادلة التنمية المستدامة، لما توفره من مزايا بيئية واقتصادية واستراتيجية. ورغم التحديات القائمة، فإن الاتجاه العالمي يؤكد أن هذا القطاع سيبقى في قلب التحولات الاقتصادية الكبرى خلال العقود المقبلة، ما يجعل الاستثمار فيه استثماراً في مستقبل أكثر استدامة وأمناً للطاقة والاقتصاد والبيئة.

Leave a Comment
آخر الأخبار