الحرية – فادية مجد:
رافقت الصورة التذكارية الإنسان منذ بدايات انتشار الكاميرات المنزلية، وتحولت مع مرور الزمن إلى وثيقة تختزل محطات العمر في لقطة واحدة، وبالرغم من تغير أدوات التصوير وتنوع دوافع الناس، فقد بقيت الصورة حاضرة في كل بيت، تحمل ما وراءها من مشاعر، وتعيد تشكيل اللحظة حين يستعيدها صاحبها بعد سنوات.
تنوع دوافع التصوير عبر الأجيال
في استطلاع لـ«الحرية»، أفادت رشا حسن «موظفة» أن بدايتها مع التصوير كانت منذ طفولتها، حين كانت عائلتها تمتلك كاميرا وتحرص على التقاط الصور في المناسبات كالأعياد ورأس السنة وأعياد الميلاد الشخصية، وحين عودة أخوتها من السفر في إجازة. لافتة إلى أن عائلتها انتقلت إلى الكاميرا الرقمية فيما بعد، ثم إلى كاميرا الهاتف المحمول، وأصبح كل فرد من عائلتها مصوراً يلتقط الصور في أغلب الأوقات بمناسبة ودون مناسبة.
مشيرة إلى أنه رغم تغير الأدوات، تبقى لحظات التصوير من أجمل الذكريات التي نحرص عليها، موضحة أن الصورة بالنسبة لها وسيلة لتوثيق تغير حياتها، وتسجيل الأماكن التي مرت بها، والوجوه التي شكلت جزءاً من مسيرتها، مؤكدة أن اختلاف أدوات التصوير جعل العملية أسهل، لكنه لم يغير قيمة الصورة التي تعتبرها ذاكرة لا تتقادم.
أما الطالب الجامعي رامي يوسف فقال إنه لم يعش تجربة الكاميرات التقليدية، إذ بدأ التصوير مع انتشار الهواتف الذكية في سن المراهقة، يلتقط الصور لتوثيق صداقاته ورحلاته، مبيناً أن السبب الأساسي هو الاحتفاظ بما يثبت أنه يعيش حياة مليئة بالتجارب. مشيراً إلى أن جيله يصور التفاصيل اليومية، بينما كان جيل والديه يلتقط الصور في المناسبات الكبرى فقط، مبيناً أن سهولة التصوير جعلت الصورة جزءاً من يومه، لكنها لم تفقد معناها حين يعود إليها بعد سنوات.
الصورة كنز عاطفي داخل العائلة
وأشارت ليلى إبراهيم (ربة منزل) إلى أنها بدأت التصوير منذ ولادة طفلها الأول، مستخدمة كاميرا رقمية صغيرة قبل أن تنتقل إلى الهاتف المحمول، لافتة إلى أن السبب الأساسي للتصوير هو توثيق مراحل نمو أطفالها، حيث كانت تحرص في كل سنة على تصويرهم لتبقى ذكرى لهم عندما يكبرون ويشاهدونها، مبينة أن تلك الصور كنز عاطفي تحتفظ به في عدة ألبومات، يعود إليها أفراد العائلة كلما تغير الزمن، ومؤكدة أن اختلاف أدوات التصوير منحها قدرة أكبر على التقاط اللحظة فور حدوثها دون انتظار مناسبة محددة، وأن الصورة بالنسبة لها فعل عاطفي قبل أن تكون توثيقاً.
تغير الأدوات وتغير الدوافع
وأوضح المصور الفوتوغرافي ماهر ديوب، صاحب استوديو تصوير منذ أكثر من عشرين عاماً، أن تطور أدوات التصوير غير شكل العلاقة بين الإنسان والصورة، لكنه لم يمس جوهر الدافع الأساسي وراء التقاطها. وأضاف أنه في الماضي كانت كاميرات الفلم تستخدم في المناسبات الكبرى فقط، لأن الصورة كانت مكلفة وصعبة التحميض، لافتاً إلى أنه مع ظهور الكاميرات الرقمية أصبح التصوير أكثر سهولة، ثم جاءت الهواتف الذكية لتجعل الصورة جزءاً من الحياة اليومية.
وبيّن ديوب أن أسباب التصوير تغيرت بتغير الأدوات، فحين كانت الصورة نادرة كان الناس يلتقطونها لتوثيق اللحظات المهمة فقط، بينما اليوم تلتقط الصور بدافع الخوف من النسيان، أو رغبة في تسجيل التفاصيل اليومية، أو إثبات الإنجازات الشخصية، أو حفظ مراحل النمو، أو مشاركة اللحظة مع الآخرين عبر المنصات الرقمية. ورأى أن هذا التنوع يعكس اختلاف الاحتياجات النفسية والاجتماعية بين الأفراد، مؤكداً أن الصورة لم تعد مجرد ذكرى، بل أصبحت جزءاً من الهوية البصرية لكل شخص.
البعد النفسي للصورة التذكارية
من جهتها، أفادت المرشدة الاجتماعية عبير مصطفى أن عادة التصوير مرتبطة بالحاجة الإنسانية إلى حفظ الزمن، وتعتبر الصورة وسيلة لمواجهة تغير العمر دون خوف، موضحة أن الصورة تمنح الإنسان شعوراً بالاستمرارية، وتساعده على استعادة اللحظات التي يعتقد أنها ضاعت. منوهة بأن اختلاف أدوات التصوير لم يغير جوهر الدافع، بل جعل التعبير عنه أسهل وأكثر حضوراً.
وأشارت إلى أن الأسباب المتنوعة تعكس اختلاف الاحتياجات النفسية، فالبعض يبحث عن الأمان، وآخرون عن إثبات الذات، بينما يلتقط آخرون الصور بدافع الخوف من ضياع اللحظة. مبينة أن الاعتدال في التصوير يحافظ على قيمة الصورة كوثيقة، بينما الإفراط قد يحولها إلى مجرد عادة بلا معنى، لأن كثرة الصور قد تفقد الإنسان القدرة على تمييز اللحظات المهمة من العادية.
وأكدت أن الصورة القديمة تحمل قيمة وجدانية لا تُعوض، لأنها ترتبط بزمن لم يعد موجوداً، وبأشخاص ربما غابوا أو تغيروا، وبأماكن لم تعد كما كانت، وهذا البعد العاطفي هو ما يجعل الصورة التذكارية جزءاً من الذاكرة الجمعية للعائلات والمجتمعات.