العنف ضد الأطفال.. عندما تفشل النصوص القانونية في مواجهة ثقافة المجتمع

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – وليد الزعبي:

يشكل اتساع العنف ضد الأطفال ظاهرة كارثية، واستمرار حدوثه باتساع وتصاعد لا شك يترك عندهم آثاراً سلبية كبيرة جسدية ونفسية، والنتائج غير المحمودة لا تقتصر على احتمال تدمير مستقبلهم فقط، بل تمتد انعكاساتها على أسرهم ومجتمعاتهم، فكثيراً ما يلاحظ على خلفية ذلك وجود حالات من التفكك الأسري وازدياد معدلات الجريمة، وتحول الأطفال المعنفين بعد بلوغهم من فاعلين في بناء المجتمع والاقتصاد إلى عبء ثقيل على مسار نهوضهما.

تصاعد مقلق

ولتسليط الضوء على هذه الظاهرة، التقت «الحرية» أخصائي الرعاية الاجتماعية عبد الرحمن عيسى، الذي لفت في البداية إلى أن محافظة درعا وغيرها من بعض المحافظات السورية شهدت مؤخراً تصاعداً مقلقاً في حدة الانتهاكات الموجهة ضد الأطفال والتي وصلت إلى حد الجرائم، وهذا ما يستدعي فتح ملف «حماية الطفولة» على مصراعيه، وسط تساؤلات ملحة حول مدى فاعلية القوانين المحلية والالتزامات الدولية المفروضة لحمايتهم، مبيناً أن سوريا تُعد من الدول الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل منذ عام 1993، إلا أن الفجوة الشاسعة بين نصوص هذه الاتفاقية والواقع الميداني باتت تهدد العديد من الأطفال بالموت والاضطهاد والضياع.

ليست عابرة

وأكد عيسى أن المآسي الفردية التي شهدتها المحافظة لم تكن مجرد حوادث عابرة، بل كانت انعكاساً لانهيار بيئة الأمان الأساسية للأطفال، فبعد فاجعة مقتل الطفلة فرح عمار الحمود بريف درعا، استيقظ الشارع على مأساة أخرى تمثلت في مقتل الطفلة نور مهند الدوس (12 عاماً) جراء تعرضها لضرب مبرح وقاسٍ على يد عمها، ومثل هذه الجرائم، التي رافقتها محاولات عائلية للتستر بذريعة الاختفاء قبل تدخل لجان التفتيش التابعة لوزارة العدل، تزامنت مع قضايا مشابهة في عدة محافظات سورية، لتؤكد أن البيئة الأسرية والمجتمعية التي يفترض بها توفير الرعاية، باتت تشكل في كثير من الأحيان تهديداً مباشراً لحياة الطفل.

قراءة من الواقع

وأشار العيسى إلى أن القراءات الميدانية لواقع الطفولة في المحافظة من قبل المختصين في مراكز الرعاية المجتمعية وفرق حماية الطفل، توصلت خلال السنوات السابقة إلى اكتشاف العديد من الحالات التي تندرج ضمن نظام إدارة الحالة لحماية الطفل، ونظام إدارة الحالة يُعنى عادةً بالتدخل المباشر لحماية الأطفال الأكثر عرضة للمخاطر (مثل المعنفين، غير المصحوبين، أو المستغلين)، وتصدرت هذه القضايا أسوأ أشكال عمالة الأطفال، تليها ظواهر الإساءة والإهمال، والإيذاء النفسي والعاطفي والجسدي الممارس من قبل بعض الآباء والأمهات والأقارب، بالتزامن مع الارتفاع الحاد في أعداد الأطفال الأيتام الذين خلفتهم سنوات الحرب في درعا.

تشويه السلوك التربوي

وهذه القراءة – حسب قول الاخصائي – تكشف أن الضغوط الاقتصادية الحادة وصدمة الحروب لم تدمر البنية التحتية فحسب، بل شوهت السلوك التربوي، وحولت الإهمال والعنف إلى أدوات يومية يدفع ثمنها الطرف الأضعف في المعادلة، كما أنه لو تم وضع واقع أطفال درعا وسوريا في كفة، ونصوص اتفاقية حقوق الطفل الدولية في الكفة الأخرى، لظهرت ملامح خرق صريح للعديد من المواد القانونية.

خرق المواد القانونية

وقدم العيسى أمثلة عن المواد القانونية التي يتم اختراقها، فعلى صعيد الحماية من العنف والتعذيب، تلزم المادة 19 الدول الأطراف باتخاذ التدابير التشريعية والاجتماعية والتعليمية لحماية الطفل من كافة أشكال الإساءة أو الإيذاء الجسدي والعقلي، والإهمال أو المعاملة المنطوية على إساءة المعاملة أو الاستغلال، وهو ما ينتهك بشكل صارخ في حوادث الضرب الأسري المفضي إلى الموت.
وعلى صعيد منع الاستغلال الاقتصادي (المادة 32)، تعترف الاتفاقية بحق الطفل في حمايته من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطيراً أو يمثل عائقاً أمام تعليمه، في حين تفرض الظروف المعيشية في درعا على آلاف الأطفال الانخراط في أعمال شاقة وخطرة لإعالة عائلاتهم، والمادة 6 التي تتناول الحق في الحياة والبقاء والنمو، تعد الركيزة الأساسية للاتفاقية التي تكفل للطفل حقه الأصيل في الحياة، لكنه في الواقع حق يُسلب إما تحت وطأة التعنيف، أو حوادث الخطف، أو مخلفات الحرب غير المنفجرة.

البيئة العائلية

وتناول الأخصائي في الأمثلة أيضاً المادة 20 التي تدور حول رعاية الأطفال المحرومين من البيئة العائلية، حيث تفرض الاتفاقية تقديم حماية ومساعدة خاصتين من الدولة للطفل المحروم من بيئته العائلية (الأيتام)، إلا أن تزايد أعداد الأيتام في ظل غياب شبكات الأمان والمؤسسات الرعائية الكافية، جعلهم صيداً سهلاً لعصابات الخطف والابتزاز المالي.

قانون جديد

وختم العيسى بالإشارة إلى أهمية التحرك القانوني والوعي المجتمعي، وذلك تفاعلاً مع الامتعاض الشعبي المتزايد والمطالبات الحقوقية بكسر حاجز الصمت، والذي تجسد بإعلان وزارة العدل السورية عن بدئها بإعداد مشروع قانون جديد لمواجهة العنف الأسري، يهدف إلى تشديد العقوبات الجزائية على المعنفين وضمان عدم إفلاتهم من العقاب، مع إيجاد آليات وقائية مخصصة لاستقبال وتتبع شكاوى الأطفال، على أمل أن يقترن ذلك بتغيير جذري في ثقافة المجتمع، إذ يرى خبراء الاجتماع والقانون أن النصوص التشريعية والمواثيق الدولية ستبقى حبراً على ورق ما لم يقترن ذلك بتغيير ثقافة المجتمع، حيث يتطلب كسر دائرة العنف التوقف عن شرعنة الضرب كأداة تربوية، وتفعيل دور المدارس والمراكز المدنية (كمراكز الرعاية الميدانية) لرصد حالات الإهمال والعزل مبكراً، لضمان ألا تظل الاتفاقيات الدولية مجرد شعارات بعيدة عن أطفال يبحثون عن الأمان داخل بيوتهم قبل شوارعهم.

Leave a Comment
آخر الأخبار