عقل لا ينام.. دراسة تثبت قدرة المخ على التعلم أثناء التخدير الكلي

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية – أمين سليم الدريوسي:

هل يتوقف عقل الإنسان عن العمل تماماً حين يغيب عن الوعي؟.. لطالما شكل هذا التساؤل لغزاً حائراً في دوائر علم الأعصاب، فالصورة النمطية التي ترسخت لقرون تفترض أن التخدير الكلي هو بمنزلة «إطفاء إجباري» يُغلق كل النوافذ الإدراكية للمخ.
غير أن الأبحاث الحديثة تأتي اليوم لتنسف هذه الفرضية، كاشفة عن وجهٍ خفي لعقلنا، مبرهنةً على أن الدماغ البشري -حتى في أشد حالات الغياب عن الوعي تحت تأثير المخدر الكلي- يحتفظ بقدرة مذهلة على الاستمرار في التعلم، ومعالجة النصوص اللغوية، واستكشاف ما حوله دون أن يتوقف.

نتائج ثورية

وفي خطوة غير مسبوقة، توصل فريق بحثي مشترك يضم علماء من جامعات بايلور، كولومبيا، رايس، هارفارد، ومؤسسات بحثية أمريكية أخرى، إلى أن العقل البشري يحتفظ بقدرته على التعامل مع اللغة حتى تحت تأثير المخدر الكلي، وقد نُشرت هذه النتائج الثورية في الدورية العلمية المرموقة «نيتشر» (Nature)، المتخصصة في أحدث الأبحاث العلمية.

مسبار خاص داخل «الحصين»

وللوصول إلى هذه الحقيقة، اعتمد الباحثون على عينة شملت 7 مرضى يخضعون لجراحات دقيقة لعلاج الصرع.
ووفقاً لما نشرته وكالات الأنباء، قام الفريق الطبي بزراعة مسبار دقيق وخاص جداً لقياس أنشطة المخ، وتحديداً في منطقة «الحصين» (Hippocampus)، وهي الجزء الحيوي المسؤول عن الذاكرة في مخ الإنسان، وذلك بعد خضوع المرضى للتخدير الكامل.

التعرف على النبرات والكلمات

وفي أثناء التجربة، بدأ الباحثون في قراءة مقاطع من قصص قصيرة للمرضى وهم غائبون تماماً عن الوعي، ومن خلال قياس النشاط العصبي عبر المسبار، رصد الفريق أن الخلايا العصبية في منطقة الحصين استطاعت التمييز بدقة بين النبرات الصوتية المختلفة، بل إن هذه المقدرة كانت تتزايد تدريجياً بمرور الوقت، متجاوزةً مجرد الاستماع إلى التمييز بين الأسماء والأفعال والصفات وأنماط الحديث المتنوعة.

تنبؤ لغوي.. مهارة خاصة باليقظة

ولم تتوقف دهشة العلماء عند هذا الحد، إذ أثبتت القياسات العصبية أن مخ المريض، وهو تحت تأثير التخدير الكامل، كان قادراً على «التنبؤ» بالكلمات التالية قبل نطقها فعلياً أثناء التجربة، وتعتبر هذه المهارة اللغوية الاستباقية عادةً من الخصائص المرتبطة حصرياً بحالات التيقظ والانتباه الكامل للإنسان.

آفاق علاجية جديدة

وعلى صعيد التطبيقات الطبية، يؤكد الباحثون أن هذه النتائج الاستثنائية لن تظل حبيسة المختبرات، بل ستلعب دوراً محورياً في المستقبل للمساعدة في تقييم وعلاج المرضى الذين يعانون من مشكلات صحية معقدة، مثل المصابين بجلطات الدماغ وغيرها من اضطرابات الوعي.

تخدير نوعي وليس نوماً

وفي سياق وضع النتائج في نصابها الصحيح، نقل الموقع الإلكتروني المتخصص في الأبحاث الطبية «هيلث داي» (Health Day) تحذيرات الباحثين من تعميم النتائج، إذ أوضحوا أن هذه القدرة المذهلة تسري فقط على نوع محدد من مواد التخدير وجزء معين فقط من المخ (الحصين)، مشيرين إلى أن هذه الظاهرة قد لا تنطبق بالضرورة على حالات النوم الطبيعي أو الغيبوبة المرضية.

Leave a Comment
آخر الأخبار