الحرية – باديا الونوس:
وحدها كرة القدم الساحرة التي وحدت مشاعر العالم كله من حماس وانفعالات وفرح وحزن، إذ نقضي أغلب وقتنا في متابعة المباريات، وتتحول الساعات إلى لحظات مليئة بالصراخ والتصفيق مع كل هدف أو حتى تفصيل صغير في المباراة، ولا يمكن أن نغفل متعة «اللمة» الجميلة مع الأهل أو الأصدقاء، لنشعر بروح الجماعة، وكأننا نصنع ذكريات أيامنا القادمة.
لكن مع انتهاء كل مباراة، يصيب البعض حزن حقيقي إذا خسر الفريق الذي يحبونه، رغم أنه لا يجمعهم به أي رابط أو صلة من لغة أو تاريخ أو ثقافة، والسؤال الذي يطرحه كثيرون: لماذا نحزن أو نفرح لفريق لا تربطنا به أي صلة؟ هل هو تعويض لخساراتنا، أم ترميم نفسي لمن يشعر بالخيبة، أم هو البحث عن لحظة فرح حقيقية وفرصة للهروب من مشاكل الواقع، حتى نعيد شحن ذواتنا من جديد للمتابعة في هذه الحياة؟
آراء متباينة
في دردشة قصيرة أجرتها «الحرية» مع بعض الشباب الذين لديهم شغف المتابعة وحضور المباراة:
حزن في حال الخسارة
قال أمجد، مشجع المنتخب الأرجنتيني: «عندما يخسر فريقي الذي أحبه وأشجعه وأراهن عليه، أشعر كأني أنا من مني بالخسارة، بل وأشعر بالحزن والإحباط، لأن اللعب الجميل لهذا الفريق يأسرني، لذلك أنا في حالة متابعة لكل مباراة في المونديال بكل حب وحماس».
طقس جميل
أما ديانا فعبرت عن تعلقها بالمباريات قائلة: «صراحة، هي طقس جميل يكسر الرتابة والروتين، ليشغلنا حدث يشغل كل سكان المعمورة، وأنا لا أشجع فريقاً بعينه، ولكني أشجع اللعب الحلو، وفي حال كان الطرف في المباراة عربياً، كما حدث في مباراة مصر، فمن الطبيعي أن أشجع الفريق العربي، لذلك حزنت أثناء خسارة مصر لأنها تستحق الفوز».
بكل شغف
أما مراد، الشاب المتابع بحماس للمباريات، فيصف حاله قائلاً: «أتابع المباراة بكل شغف، ويعلو صراخي مع كل هدف، وأحزن في حال الخسارة، الكرة تأخذك إلى عالم ساحر لمدة قصيرة، لتعيدك إليه إما منتصراً ومشجعاً، أو محبطاً وحزيناً».
إذاً، السؤال الذي يبرز عن أسباب هذه المشاعر التي تنتابنا: هل هو تعويض لخسائرنا الشخصية؟ هل نسرق لحظات من الفرح والحماس لشحن طاقاتنا؟ ماذا يقول التفسير السيكولوجي في هذا الموضوع؟
إشباع حاجات اجتماعية
وهنا ترى الدكتورة غنى نجاتي، الأستاذة في الصحة النفسية، أن مشاهدة المباراة والتفاعل معها بشكل عاطفي، سواء بالحزن عند الخسارة أو الفرح عند الفوز، تعكس تلبية حاجات نفسية واجتماعية مهمة. هذه المشاعر مرتبطة بالحاجات الاجتماعية مثل الأمن، والانتماء، والحاجة إلى التقدير واحترام الذات، حيث يحاول كل فرد إشباع هذه الحاجات من خلال ارتباطه بالفريق الذي يشجعه.
تفريغ للانفعالات
وأضافت الدكتورة نجاتي، في حديثها لـ«الحرية»، أنه عندما يشعر المشاهد بأنه جزء من الفريق، يولد لديه شعور بالألفة والفخر والانتماء، وبخاصة عند تحقيق الهدف، حيث يعبر عن فرح جماعي يعم الجماهير، وكذلك مشاهدة المباراة تعمل على رفع هرمون الأدرينالين، ما يعزز التفاعلات الانفعالية مثل الصراخ والتشجيع، وقد تستمر هذه المشاعر لفترة بعد انتهاء المباراة، لأنها تمثل وسيلة للهروب من الضغوط اليومية وتفريغ الانفعالات بشكل إيجابي، ما يجعلها تجربة ترفيهية مهمة.
تعيش مشاعر الانكسار
ولا ننسى أن المشاهدة البصرية التفصيلية لجميع اللحظات، بما فيها الأخطاء، تجعل المشاهد يعيش التجربة بشكل مكثف، مما يعزز طاقته النفسية ويخلق لديه رغبة بإعادة مشاهدة المباراة. هذه التجربة تساعد في تعويض مشاعر الانكسار والخسارة، وتحل محلها مشاعر الانتصار والإنجاز والتقدير.
ووفق الدكتورة نجاتي، فإن مشاهدة المباراة تمنح شعوراً بالانتماء إلى مجموعة أو جماعة، مما يعزز الطاقة والحيوية لدى المشاهد، ويخلق علاقات اجتماعية مشتركة مع الآخرين، كل هذه الأهداف نفسية بحتة، تهدف إلى تحقيق المتعة والرضا الشخصي والاجتماعي.