الحرية– علاء الدين الإسماعيل:
تستقبل مخيمات ريف إدلب شمال سوريا عيد الأضحى المبارك وسط ظروف إنسانية واقتصادية معقدة، حيث تتحول خيام النزوح في هذه الأيام من مساحات للاحتفال بالعادات والتقاليد المتوارثة إلى شواهد حية على قسوة المعيشة وانعدام القدرة الشرائية، إذ يواجه المهجرون قفزات غير مسبوقة في الأسعار طالت المستلزمات الأساسية، والملابس، والأضاحي، وحتى تكاليف التنقل البسيطة بين المناطق لمعايدة الأقارب.
مؤشرات التضخم وكلفة المعيشة
لتوضيح عمق الأزمة الاقتصادية التي يعيشها النازحون بالتزامن مع فترة العيد، ترسم الأرقام والإحصائيات الصادرة عن الأسواق المحلية مشهداً قاتماً، حيث يتراوح سعر أضحية الخروف بين 500 و700 دولار أمريكي «ما يعادل 5 إلى 7 ملايين ليرة سورية»، ويتجاوز سعر كيلو لحم الخروف الحي 7 دولارات، كما بلغ سعر كيلو أرز الكبسة 65 ليرة تركية «نحو 19,500 ليرة سورية»، وكيلو العدس 70 ليرة تركية «نحو 21,000 ليرة سورية»، وكيلو السكر 30 ليرة تركية «نحو 9,000 ليرة سورية».
وتأتي هذه الارتفاعات الصادمة في وقت تشير فيه البيانات الأممية والمحلية إلى أن الأسرة في الشمال السوري تحتاج إلى أكثر من 7 ملايين ليرة سورية، أي ما يعادل 500 دولار شهرياً، لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، وهو ما يفوق طاقة المهجرين بمئات الأضعاف.
قدرة شرائية معدومة وآمال مكسورة
يعكس الواقع المعيشي داخل المخيمات فجوة هائلة بين متطلبات العيد والقدرة المالية لساكني الخيام، يتحدث عفيف الصلال لـ«الحرية»، وهو مهجر يعمل مدرساً في إحدى مدارس المخيمات، عن تفاصيل هذه المعاناة قائلاً: «يأتي العيد ليجدد غصة الفقد والتهجير، القدرة الشرائية للمهجرين في المخيمات أصبحت شبه معدومة، الرواتب والدخول المحدودة لا تغطي ثمن الخبز والماء، فكيف بتأمين كسوة العيد أو حلوياته؟ نحاول كمربين غرس الأمل في نفوس الأطفال، لكن واقع العجز المالي يكسر قلوب الآباء والأمهات العاجزين عن إدخال الفرحة إلى خيامهم».

معاناة مشتركة.. الحدود الفاصلة تتلاشى أمام الفقر
لم يعد الفقر حكراً على قاطني الخيام وحدهم، بل امتد ليشمل سكان القرى والبلدات المحيطة بها نتيجة الانهيار الاقتصادي العام وغياب الخدمات الأساسية.
يقول محمد رشيد، أحد سكان قرية عقربات المحاطة بالمخيمات قرب الحدود السورية التركية: «كنا في السابق نشعر بالحزن لحال ساكني المخيمات ونحاول مساندتهم، لكن في ظل الظروف الراهنة، تلاشت الفروق، أصبح ساكنو المخيمات والمقيمون في القرى المتداخلة معها يعيشون المعاناة ذاتها. الغلاء الفاحش والارتفاع الجنوني في الأسعار، إلى جانب الغياب الشبه تام للخدمات والمساعدات، جعل الجميع في خندق واحد من الفقر والعجز».
أسواق راكدة ودفاتر الديون تمتلئ وملابس العيد للعرض فقط
تنعكس الأزمة الاقتصادية بشكل مباشر على حركة الأسواق والمحال التجارية داخل المخيمات ومحيطها، حيث توقفت حركة البيع والشراء إلا للضروريات القصوى.
في سياق أزمة المحال الغذائية والديون، يتحدث علاء ثلجة، وهو مهجر يمتلك محلاً لبيع المواد الغذائية في المنطقة، عن تراكم الأعباء قائلاً: «الأسعار ترتفع بشكل شبه يومي، دفتر الديون امتلأ تماماً بأسماء العائلات التي تعجز عن الدفع النقدي، وصلت إلى مرحلة لم أعد أستطيع معها الاستمرار في تشغيل محلي أو تزويده بالبضائع، لأن رأس مالي بات محتجزاً كديون متراكمة على ساكني الخيام الذين لا يملكون سبيلاً للسداد».
أما سوق الملابس، فتحول إلى فرجة بلا شراء، يصف عبد المنعم الجمعة، صاحب محل لبيع الألبسة في المنطقة، الركود غير المسبوق قبل العيد: «في الأعياد السابقة، كنا نبيع مئات القطع وتزدحم المحال بالعائلات، اليوم، يأتي الزبائن إلى السوق، ينظرون إلى البضائع المعروضة، وعندما يصطدمون بالارتفاع الكبير في ثمن الملابس، ينصرفون بصمت إلى بيوتهم وخيامهم، لم أتمكن هذا الموسم من بيع حتى جزء بسيط مما أوردته للمحل».
سوق الأضاحي.. ركود تاريخي وأسعار خيالية
تعتبر الأضحية الشعيرة الأبرز في عيد الأضحى، إلا أنها تحولت هذا العام إلى حلم بعيد المنال لغالبية سكان الشمال السوري نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار المواشي الناتج عن التصدير وارتفاع تكاليف الأعلاف.
يؤكد مازن العيسى، وهو تاجر مواشٍ في ريف إدلب، عمق الأزمة في قطاع الثروة الحيوانية قائلاً: «ارتفعت أسعار الماشية والأضاحي بشكل جنوني وغير منطقي مقارنة بالعيد السابق، ويقول: طوال سنوات الحرب الماضية، لم أشهد ركوداً وتراجعاً في الإقبال كالذي نشهده اليوم، الأسواق شبه خالية من المشترين، والقدرة المالية للمواطنين لا تتناسب مطلقاً مع كلفة تربية وتسمين المواشي التي يتحملها المربون».
جغرافيا ممزقة.. تكاليف التنقل تقطع صلة الأرحام
إلى جانب عجز تأمين الغذاء واللباس، تفرض المسافات وتكاليف النقل كابوساً إضافياً يمنع العائلات المهجرة من ممارسة أبسط عادات العيد، وهي تبادل الزيارات ومعايدة الأقارب، وبسبب الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات والمازوت، تضاعفت أجور النقل وسيارات الأجرة بين مخيمات ريف إدلب والمناطق المجاورة.
هذا الارتفاع جعل من كلفة ركوب حافلة أو استئجار آلية لمعايدة قريب في مخيم آخر عبئاً مالياً إضافياً يضاف إلى قائمة المصاريف المستحيلة، ما أدى إلى عزلة اجتماعية قسرية واقتصار المعايدات على الاتصالات الهاتفية.
يأتي عيد الأضحى المبارك على مخيمات ريف إدلب ليؤكد عمق المأساة الإنسانية المستمرة. وبينما تغيب الأضاحي وتخلو موائد العيد من اللحوم والحلويات، تظل العادات والتقاليد تقاوم بحدودها الدنيا، وسط مناشدات مستمرة من الأهالي للجهات المعنية بضرورة الالتفات إلى واقع أسعار الشمال السوري المنهار وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الأساسية.