الاقتصاد السلوكي.. استثمار علم النفس في تحسين عمليات اتخاذ القرار

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- آلاء هشام عقدة :
الاقتصاد السلوكي هو علم حديث نسبياً، تشكل نتيجة لاتحاد تم بعد عقود من التنافر بين علم الاقتصاد وعلم النفس، يهدف للتكامل بين علم النفس وغيره من العلوم السلوكية للوصول لفهم أفضل للكيفية التي يتخذ فيها الناس قراراتهم في الواقع، وما هي أسباب قيامهم بتصرفات معينة، وإلى تطوير سياسات تحسن من عمليات اتخاذ القرار، ونتيجة لذلك التكامل، فإن الاقتصاد السلوكي يوسع مجال النظريات الاقتصادية بإدخال العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية، بالإضافة للتوازنات العقلانية للمنافع والتكلفة، للوصول لفهم أعمق للقرارات التي يتخذها الأفراد والمجموعات والمؤسسات.
الدكتور ذو الفقار عبود  خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية بينّ لـ ” الحرية” أن كثيراً من القرارات البشرية يمكن أن تتصف باللاعقلانية، رغم إن الإنسان هو كائن منطقي عموماً، وهنا يأتي دور الاقتصاد السلوكي الذي يدمج بين علم النفس والاقتصاد لدراسة “اللا عقلانية” في قرارات البشر، ودفع الإنسان لاتخاذ قرارات منطقية ، لا سيما في حقل الاقتصاد.
ويؤثر علم الاقتصاد السلوكي على خياراتنا اليومية من خلال التحيزات المعرفية مثل النفور من الخسارة، والانحياز للحاضر، وهذا ما تستغله الشركات عبر ما يعرف بهندسة الخيارات، لتوجيه المستهلكين نحو منتجات معينة، باستخدام الندرة، أو تخصيص العروض بناءً على البيانات، ما يغير أنماط الاستهلاك بعيداً عن المنطق المحض.

ما هو الاقتصاد السلوكي؟

الاقتصاد السلوكي (Behavioral Economics) هو علم يكسر القواعد التقليدية للاقتصاد التي كانت تفترض أن البشر آلات حاسبة تتخذ دائماً القرارات الأكثر ربحاً ومنطقية لأنفسهم. بدلاً من ذلك، يثبت هذا العلم أننا نتأثر بالعواطف، البيئة المحيطة، والقيود المعرفية. لذلك يشكل الاقتصاد السلوكي تحولاً كبيراً عن النظريات الاقتصادية التقليدية، التي لم تعطِ أهمية لتأثير العوامل الثقافية أو النفسية أو الاجتماعية في القرارات التي يتخذها الإنسان أو تقلل من أهميتها.

تأثير الاقتصاد السلوكي على اتخاذ القرارات

يشير الدكتور عبود أن الاقتصاد السلوكي يؤدي إلى اتخاذ قرارات قد تبدو غير منطقية، وذلك بسبب عدة عوامل منها النفور من الخسارة (Loss Aversion): الألم الناتج عن خسارة مبلغ معين أكبر بكثير من المتعة الناتجة عن كسب نفس المبلغ ، و التحيز للوضع الراهن (Status Quo Bias): ميل الأفراد للبقاء على ما هم عليه وتجنب التغيير ، إضافة الى تأثير التأطير (Framing Effect): الطريقة التي تُعرض بها المعلومة تغير القرار (مثلاً: خصم 20% يبدو أفضل من دفع 80% من القيمة).

كيف تستخدم الشركات الاقتصاد السلوكي للتأثير على الأفراد؟

يعطي الدكتور عبود أمثلة عدة  لاستخدم الشركات الكبرى (مثل أمازون، نتفليكس، وشركات التجزئة) تقنيات دقيقة للتلاعب بقرارات الشراء، ومن هذه التقنيات: تقنية هندسة الخيارات (Nudging): مثل وضع خيار معين (غالباً الأغلى أو الأكثر ربحية للشركة) كخيار افتراضي أو في مكان يسهل الوصول إليه.
وتقنية خلق الندرة (Scarcity): من خلال استخدام عبارات مثل “بقي  قطعتان فقط في المخزون” وهذه التقنية تثير دافع الخوف من ضياع الفرصة.
تقنية الإثبات الاجتماعي (Social Proof): مثل عرض تقييمات العملاء أو عدد الأشخاص الذين اشتروا المنتج حالياً لبناء الثقة، من خلال استخدام مسوحات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
تقنية التسعير النفسي: كاستخدام أرقام مثل 9.99 دولار بدلاً من 10 دولارات لتغيير الإدراك السعري.
تقنية الاشتراكات والخصومات: لتحفيز العميل على الاشتراك لفترة طويلة عبر تقديم خصومات تبدو مربحة بينما الهدف في الواقع هو ربط العميل بالخدمة لفترة أطول.

ويشير الخبير الاقتصادي أنه  علينا كمستهلكين أن نأخذ النقاط الهامة في هذا المجال بعين الاعتبار:
المحاسبة العقلية: كيف نصنف الأموال في عقولنا (نصرف المكافآت بسهولة أكثر من الراتب).
خصم الحاضر: تفضيل المكافأة الفورية الصغيرة على المكافأة الكبيرة المؤجلة.
الأخلاقيات: هناك جدل دائم حول “الهندسة السلوكية” ومدى مشروعية توجيه الأفراد دون إدراكهم الكامل.
ويختم الدكتور عبود بأن الاقتصاد السلوكي ليس مجرد نظرية، بل هو أداة قوية في يد الشركات، وفهمنا لهذه الآليات يمنحنا حصانة لاتخاذ قرارات أكثر وعياً وتجنب الانقياد وراء التحيزات النفسية وخسارة مدخراتنا المالية، وفي نفس الوقت هو أداة جيدة بيد الشركات لزيادة المبيعات والأرباح، كما يمكن استخدامه في مجالات الأعمال الخيرية لزيادة التبرعات.

Leave a Comment
آخر الأخبار