الحرية – عمار الصبح
حجزت الأسواق الشعبية مكاناً في المشهد الاقتصادي للعديد من مدن وبلدات محافظة درعا، متجاوزة حدود البيع والشراء، فتحولت مع مرور الوقت إلى مراكز للحياة اليومية وملتقيات تزخر بفرص العمل والتسويق، لتشكل مساحات اجتماعية فيها الكثير من قصص الحياة وحكايا الناس.
خيارات أرخص ومزايا نسبية
يتحدث الكثير من مرتادي الأسواق الشعبية الذين التقتهم «الحرية» عن العديد من المزايا النسبية التي حققتها هذه الأسواق، خصوصاً لجهة انخفاض أسعار معروضاتها مقارنة بتلك الموجودة في المحال التجارية، ما جعلها مقصداً لذوي الدخل المحدود.
تكشف إحدى السيدات من مدينة الصنمين لـ«الحرية» عن أسباب تفضيلها للتسوق من السوق الشعبي في المدينة، وتقول: «الأسعار في السوق أرخص من المحال وبنسب كبيرة، إضافة إلى تعدد خيارات التسوق وتنوع المنتجات، كالخضر والألبسة والمنظفات والمكسرات والعصرونية والتجهيزات المنزلية وغيرها».
وتضيف: «في الأحياء القريبة من السوق يتسوق أهالي هذه الأحياء حاجياتهم من الخضر وغيرها بشكل يومي تقريباً، إذ يتحول هذا التسوق إلى ما يشبه الطقس اليومي لدى الكثيرين. أما الأحياء البعيدة والقرى القريبة، فيعمد الأهالي إلى ارتياد السوق وشراء حاجياتهم مرة أو مرتين أسبوعياً».
بدوره، يشير أبو غانم، وهو أحد مرتادي السوق من كبار السن، إلى أن زيارة السوق تحولت بالنسبة له إلى طقس شبه يومي، يجمع خلاله بين تسوق حاجيات أسرته، وبين تحقيق شغفه بالتجول ولقاء الناس والتحدث معهم، وهي عادة رافقته منذ سنوات خلت، حسبما يقول.
سلبيات تحتاج إلى معالجة
يثني الرجل الستيني في حديثه لـ«الحرية» على تجربة هذه الأسواق وما تحققه من وفورات في الأسعار وخيارات التسوق المتعددة، لكنه في الوقت نفسه لا يجد حرجاً من الإشارة إلى الكثير من السلبيات المنتشرة في هذه الأسواق، وأهمها تراجع واقع النظافة فيها عما كانت عليه في السابق، وضعف التنظيم، وزحمة وعشوائية البسطات المنتشرة وتداخلها بما لا يتيح أحياناً مجالاً للمارة والمتسوقين.
عروض حسب المواسم
تتبدل الأولويات في الأسواق الشعبية حسب المواسم، ففي الأعياد والمناسبات الاجتماعية تكثر بسطات الألبسة والأحذية والحلويات وغيرها، لتتراجع بعد انتهاء مواسمها. ومع حلول أشهر الصيف، تطغى الخضر بأصنافها المختلفة على المشهد، بالتوازي مع بدء ارتفاع وتيرة إنتاج المحاصيل المتنوعة في حقول المحافظة، وقيام مزارعين بتسويق منتجاتهم الزراعية إلى الأسواق مباشرة.
يعرض أحمد أبو هلال منتجاته الزراعية التي يجنيها من حقله في السوق الشعبي بمدينة جاسم، والذي يقام يوم الخميس من كل أسبوع، حيث يعمد الرجل الأربعيني إلى وضع أرباح بسيطة على منتجاته من الخيار والكوسا والفاصولياء، وفي نهاية السوق يكسر السعر لبيعها بشكل كامل.
أهمية الأسواق في التسويق المباشر
يشير أبو هلال خلال حديثه إلى أهمية السوق في عملية تسويق المنتجات، وخصوصاً في ذروة إنتاج محاصيل الخضر التي تمتد خلال أشهر الصيف، ما يسمح للمزارعين ببيع منتجاتهم مباشرة للأهالي دون وسطاء أو تجار، ما يخفض من تكاليف المنتج ويسمح بالبيع بأسعار أوفر.
ويؤكد أن السبب الرئيسي لانخفاض الأسعار نسبياً هو المبدأ السائد في الأسواق الشعبية: الربح القليل مقابل البيع الكثير، إضافة إلى انخفاض تكاليف التشغيل مقارنة بالمحال التجارية كبدلات الإيجار وفواتير الكهرباء والمياه والضرائب وغيرها.
وفي الوقت الذي يشيد فيه المزارع بأهمية الأسواق الشعبية ودورها الإيجابي كأحد أهم أذرع التدخل لتخفيض الأسعار، يشكو من ضعف التنظيم الذي تواجهه هذه الأسواق وضيق المساحات المخصصة لتفريغ المنتجات، وأيضاً صعوبة مرور السيارات، خصوصاً أن بعض هذه الأسواق تتوسط الشوارع الرئيسية.
منصات للتواصل الاجتماعي
تتجاوز الأسواق الشعبية دورها كأماكن للبيع والشراء، لتتحول إلى مساهم رئيسي في نشوء الآلاف من فرص العمل، كالباعة وأصحاب البسطات وسائقي الشاحنات وغيرهم، الذين وجدوا في هذه الأسواق فرص عمل محققة في ظل الظروف الاقتصادية. وقد كوّن بعضهم قاعدة زبائن ثابتة، في حين يغيّر آخرون أصناف بضائعهم وفق احتياجات السوق، فضلاً عما تنسجه هذه الأسواق من علاقات اجتماعية وزمالات عمل تمتد إلى خارج حدود السوق.
ويوضح أيهم الشحمة، صاحب بسطة للخضر، كيف تختصر هذه الأسواق الكثير من الأحاديث عن حكايا الناس وأحوال البيع والشراء، وكيف تنشأ مع الوقت علاقات وثيقة بين باعة السوق أنفسهم، وبينهم وبين الزبائن.
ويشير إلى أن هذه الأسواق تعد بمثابة منصات للتواصل الاجتماعي وتبادل الأخبار وتعزيز الروابط، إضافة إلى دورها في دعم الاقتصاد المحلي وتعزيز مصادر دخل للعديد من الباعة والتجار وأصحاب البسطات على اختلاف معروضاتها وبساطتها.
تاريخ ضارب في القدم
بدوره، يبين الباحث في شؤون التراث عبد الغني المحمد أن العديد من الأسواق الشعبية في درعا تمتد جذورها إلى فترات زمنية متباعدة، وبعضها ضارب في القدم، كسوق نوى الذي يعد من أقدم الأسواق في العالم، حيث يعود تاريخه، حسبما تشير المصادر التاريخية، إلى القرن الثالث قبل الميلاد، حين نشأ كمركز للتبادل التجاري وصفقات الحبوب.
ويلفت إلى أن بعض الأسواق يعمل بشكل يومي ويعود تاريخ بعضها إلى عشرات السنين، فيما ينحو الآخر منحى الأسواق المتنقلة التي تعتمد «روزنامة» محددة ومتعارف عليها على مدار أيام الأسبوع، حيث يكون السوق كل يوم في منطقة مختلفة.
ويشير إلى أن قواعد السوق هنا حاضرة بقوانينها البسيطة وغير المعقدة، فالمنافسة حاضرة ولكل نصيبه حسب جودة بضاعته وأسعاره، ولكن بعيداً عن المضاربة، مؤكداً أن الثقة والأمانة مطلوبتان كي يحظى أي بائع في السوق بمكان دائم ويتحول من ضيف جديد إلى دائم، يتحرى الجميع حضوره ويسأل عن غيابه.
الأبعاد الاقتصادية
في البعد الاقتصادي، يشير الباحث إلى العديد من المزايا النسبية التي حققتها الأسواق الشعبية، ولعل أبرزها تمكين الكثير من المنتجين، وخصوصاً الزراعيين، من عرض سلعهم ومنتجاتهم للمستهلكين دون المرور بالوسطاء أو تجار نصف الجملة، وهو ما يجعلها، حسب رأيه، ذراعاً حقيقية للتدخل الإيجابي ومتنفساً لذوي الدخل المحدود، فضلاً عن مساهمتها في توفير المئات من فرص العمل المحققة.
مكاسب تبحث عن تنظيم
رغم ما يذهب إليه البعض من أن الأسواق الشعبية تندرج تحت ما يسمى باقتصاد الظل أو الاقتصاد الموازي، فإنه لا يمكن إنكار ما حققته هذه الأسواق من مكاسب، فقد استطاعت أن تثبّت أقدامها كواحدة من أهم مطارح التسوق التي تحظى بشعبية واسعة، وخصوصاً بين ذوي الدخل المحدود.
وعلاوة على ذلك، فقد تجاوزت الأسواق الشعبية دورها الاقتصادي، لتتحول إلى مساحات اجتماعية تعكس نمطاً من البساطة في العيش وفي الكسب الحلال، في وقت باتت فيه هذه الأسواق تبحث عن وصفات لإطالة عمرها، من تنظيم لائق وخدمات تبقيها على قيد الحياة.