الحرية ـ سامر اللمع:
أدت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى منذ 28 شباط الفائت إلى واحدة من أكبر صدمات الطاقة في التاريخ الحديث، وعلى الرغم من إعلان وقف لإطلاق النار وفتح المجال للمفاوضات، إلا أن إغلاق مضيق هرمز كسلاح جيوستراتيجي استخدمته إيران، أدى إلى بروز روسيا كأحد أكبر المستفيدين غير المباشرين من الأزمة، رغم استمرار العقوبات الغربية عليها، حيث أظهرت المعطيات الاقتصادية كيف تداخلت الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد لمصلحة موسكو.
كيف استفادت روسيا من ارتفاع الأسعار؟
يُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب 20–25% من التجارة العالمية المنقولة بحراً.
مع اندلاع الحرب وإغلاق المضيق جزئياً أو كلياً، انخفضت حركة الناقلات بنسبة تصل إلى 70% ثم إلى شبه الصفر في بعض الفترات.
هذا التعطيل أدى إلى ارتفاع حاد في الأسعار، حيث تجاوز سعر خام برنت 126 دولاراً للبرميل في آذار الفائت، وهو أعلى مستوى منذ أربع سنوات، كما تم وصف الأزمة بأنها «أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط العالمي».
وفي ظل نقص الإمدادات من الخليج، زادت أهمية النفط الروسي كبديل، وخاصة للدول الآسيوية مثل الهند والصين.
وتحت ضغط نقص الإمدادات جاء القرار الأمريكي قبل يومين بتمديد إعفاءات شراء النفط الروسي، حيث سمحت واشنطن باستمرار شراء هذا النفط حتى 16 أيار 2026 لتخفيف أزمة الإمدادات العالمية.
ويُقدّر أن هذا الإعفاء قد يشمل ما يصل إلى 200 مليون برميل من النفط في الأسواق العالمية.
ويعكس هذا القرار مفارقة مهمة، فرغم العقوبات الأمريكية المفروضة على موسكو، اضطرت الولايات المتحدة نفسها إلى تسهيل تدفق النفط الروسي للحفاظ على استقرار السوق، ما منح موسكو مصدر دخل إضافياً في وقت حرج.
إغلاق مضيق هرمز كفرصة استراتيجية لروسيا
لم يؤد إغلاق المضيق فقط إلى رفع الأسعار، بل أعاد تشكيل خريطة الإمدادات العالمية، ومع تعطل نحو 10 ملايين برميل يومياً من الإمدادات، أصبحت روسيا أحد البدائل القليلة القادرة على سد جزء من هذا النقص.
كما أن الأزمة دفعت العديد من الدول إلى زيادة الاعتماد على الإمدادات البرية وخطوط الأنابيب الروسية لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية غير المستقرة، وكذلك توقيع عقود طويلة الأجل مع موسكو لتأمين الطاقة، وبالتالي، لم تقتصر المكاسب الروسية على المدى القصير، بل امتدت لتعزيز موقعها في السوق العالمية على المدى المتوسط.
مكاسب مالية مقابل مخاطر هيكلية
رغم الفوائد الواضحة، إلا أن روسيا قد تواجه تحديات أيضاً منها:
- تقلبات الأسعار (مثلاً، هبوط النفط إلى نحو 90 دولاراً مع أي تهدئة مؤقتة)
- مخاطر تباطؤ الاقتصاد العالمي نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف الطاقة
- استمرار القيود والعقوبات التي تحد من الاستثمارات
- الاعتماد المفرط على العائدات النفطية يجعل الاقتصاد الروسي عرضة لأي انعكاس مفاجئ في السوق.
البعد الجيوسياسي وتعزيز النفوذ الروسي
أدت الأزمة إلى إعادة توزيع النفوذ العالمي، فانشغال الولايات المتحدة بالصراع في الشرق الأوسط منح روسيا هامشاً أوسع للتحرك في ملفات أخرى.
كما أن موسكو استفادت من موقعها كـ«مورد طاقة بديل»، ما عزز علاقاتها مع دول كانت تحاول سابقاً تقليل اعتمادها عليها، وفي الوقت نفسه، أسهمت الأزمة في تقويض فعالية بعض أدوات الضغط الغربية، خاصة في قطاع الطاقة.
في قصارى القول، تكشف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران عن حقيقة أساسية في الاقتصاد السياسي العالمي: الأزمات الكبرى تعيد توزيع المكاسب والخسائر بشكل غير متوقع.
فبينما تسببت الحرب في اضطرابات حادة في الاقتصاد العالمي، تمكنت روسيا من تحويل جزء كبير من هذه الأزمة إلى فرصة، مستفيدة من ارتفاع الأسعار وإعادة توجيه الطلب العالمي على الطاقة.
ومع ذلك، تبقى هذه المكاسب مرتبطة باستمرار حالة عدم الاستقرار، ما يجعلها مكاسب ظرفية أكثر من كونها تحولاً دائماً في موازين القوة الاقتصادية.