ميجنا وعتابا وموليا وأبو الزلف ..الزجل في بلاد الشام تراث غنائي عمّر سهرات الأرياف

مدة القراءة 8 دقيقة/دقائق

الحرية – علي الراعي

« داركم وسيعه عاليه عتابا
وبنتكم سمرا ما قدر علا عتابا
لا حمل ربابتي وغنيلها عتابا
بلكي قلبها يحن عا صوت الرباب»
كان ذلك موال العتابا الجبلي، الذي هو أحد أنواع الزجل، الذي تعرفه اليوم مختلف بلاد الشام.. الزجل الذي يقول عنه البعض إنه إرث بني حمدان، أصحاب الدولة الحمدانية في حلب، دولة الفرسان والشعراء، والتي ذاع صيتها أيام أميرها سيف الدولة الحمدانية، وكذلك ذاع صيت شعراء بلاطه الذين – ربما- فاقوه شهرة وصيتاً طيباً، وثمة من يرى أن الزجل، هو الزاد الجمالي لأهل سوريا وبلاد الشام كلها، إنه الزجل الذي يُغنى من خلال بحوره أكثر من (95%) من الغناء العربي اليوم.

نغم دون مراعاة الوزن

أطلق القدامى اسم الزجل على الشعر المحكي، وفي ذلك يقول المُحبّي في خلاصة الأثر: «الزجل في اللغة الصوت، وسُمي زجلاً، لأنه يُلتذُّ به، ويُفهم مقاطع أوزانه، ولزوم قوافيه، حتى يُغنى، ويصوّت..»، ولما كان هذا الفن من وضع العامة، فقد اتبعوا فيه النغم دون مراعاة الوزن، وربما نظموا في سائر البحور الشعرية الفراهيدية، لكن بلغتهم المحكية، ويسمون ذلك الشعر بـ«الزجل».
البعض الآخر يعرّف الزجل على أنه الشعر الشعبي، وهم يرونه شعر عربي أصيل، يعودون به إلى ما قبل الإسلام، ويُحكى أن عنترة العبسي نظم هو الآخر الزجل، كما اشتهر به عرب الأندلس، وانتقل منهم إلى البلاد الأوروبية في القرون الوسطى، الذين عُرفوا بـ«التروبادور» أي الشعراء الجوالين، كما عُرفوا بالموشح، واشتهر من زجالي الأندلس: ابن قزمان، لسان الدين الخطيب، وابن باجة.. هذا الفن العريق قامت على حمايته من الانقراض مدن وأرياف عريقة، كحلب، ريف دمشق، بيروت، وأرياف الساحل السوري بشكلٍ عام.
يختلف الزجل عن الشعر العروضي الفراهيدي، وذلك لأنّ الأول شعراً أعدّ للغناء، أو أنه انبثق من الألحان، فطورها وطورته، إذ ليس كلّ الشعر يُغنى، وخاصةً بالإيقاعات الشعبية السريعة المعروفة، وفي حين يستخدم الشعر الفراهيدي اللغة العربية الفصحى، فإن الزجل يستخدم اللغة اليومية، وفيه الكثير من لغة السوق المتداولة، وربما شكّل هذا النوع من فنون القول الإرهاصات المبكرة لقصيدة النثر اليوم، التي تهتم بالتفاصيل الحياتية واليومية، وتحتفي بالهامشي، وخارج المتن.
إذاً الزجل قديم في المنطقة السورية، التي اشتهرت ذات حين من أواسط القرن الماضي، بما سُمي بـ «المنادمات الزجلية» اشتهرت بإقامتها مناطق مثل: وادي العيون في ريف محافظة حماة، ومقامات الخضر والرفاعي في الساحل السوري، وكذلك في بعض مناطق الغاب، واشتهر شعراء ذاع صيتهم في الآفاق بالقدرة على هزيمة الخصم بالموال – الضربة القصيدة التي تهزم..!

قرّادي وشروقي
وللزجل أنواع كثيرة، منها على سبيل المثال: «المعنّى» وتعني في السريانية «المغنّى»، ولهذا أيضاً أنواعه الكثيرة، منها «المعنّى العادي» ويتألف من مطلع ودور، المطلع يتكوّن من بيتين شعريين، قافية صدر البيت الأول وعجزه وقافية عجز البيت الثاني واحدة، ويُنظم على البحر اليعقوبي ويتألف من أربع وعشرين حركة،منها أثنتا عشرة للصدر، وأثنتا عشرة للعجز، ومثاله أغنية السيدة فيروز المعروفة: «في لنا يا حب خيمة عا لجبل..».. كما يتألف الدور من بيتين شعريين، قافية صدرها، وقافية عجز البيت الأول واحدة، وقافية عجز البيت الثاني تعود للمطلع، وهكذا.. ومن «المعنّى» أيضاً: المعنّى القصيد، والمعنّى الجناس..
أما النوع الثاني، فهو «القرّادي»، وهي من القرد، أي اللجلجة، وذلك لسرعتها، ويتألف البيت الواحد من (14) مقطعاً سبعة مقاطع للصدر، وسبعة مقاطع للعجز، وهذا أيضاً له أنواعه منها: القرّادي العادي، ومنه المخمس المردود، المحبوك، المغصوب، المرصود، كرج الحجل، طرق النمل، المرصع، القلاب، المجزم، والمهمل، أي بدون نقط.
النوع الثالث: وهو الموشح، المستوحى من وشاح الحسناء، الشطر الأول فيه سبعة مقاطع صوتية، والثاني أربعة، و أما النوع الرابع، فهو القصيد، ومنه القصيد الطويل.
أما النوع الخامس، فهو البغدادي، وهو موّال نوع من الزجل، ويتألف من سبعة أشطر، كل شطر (14) مقطعاً صوتياً، صدور البيت الأول، وصدر البيت الثاني، وعجز الشطر الأخير تنتهي بالجناس، أما قوافي الأشطر الباقية فهي تنتهي بجناس جديد، النوع السادس، هو: الشروقي، وهو قصيد بدوي، والسابع هو: الندب، وله أنواع كثيرة.
وأما أشهر أنواع الزجل في الساحل السوري، فهو موّال العتابا الجبلي، والعتابا من العتاب، والمعاتبة، وموال العتابا يشكّل وحدة متكاملة، ويقوم على الجناس لغة، يتألف من بيتين وأربعة أشطر، الأشطر: الأول، والثاني، والثالث، تنتهي بالجناس، أما الشطر الرابع، فينتهي بالباء الساكن حتماً، أو قد ينتهي بنون وألف، وهنا يكون شطراً خامساً يردده الكورس على نفس الوزن، ينتهي بالمقطع «نا».

أما النوع التاسع، فهو «الميجنا» وهو نوع من العتابا، والعاشر هو الحداء، وهناك أيضاً الحوربة، وأبو الزلف، والموليا، ويُقال عن الأخيرة، إنها قُيلت من قبل جواري البرامكة بعد مقتل الكثير منهم، وهناك أيضاً: الزلغوطة، كما أن جميع الغناء يدخل في هذا المعنى كالدلعونة التي ترتبط بالدبكة، والهوراة، وغير ذلك..

مبارزات كلامية

بتلك الأنواع من الزجل، كان الشعراء الزجالون يتحاورون، وهذا نوع من المبارزة الكلامية الشعرية، والتي تُعرف أيضاً بالمنادمات، مثل شعراء الساحل السوري، وسهل عكار السوري – اللبناني، حيث كان لابد للمنادمة الزجلية من مناسبة، وهي عادةً: مولد طفل، أو ختانه، أو عرس، أو عودة مسافر، وغير ذلك..
يلتقي في المناسبة – المنادمة شاعران على الأقل، ولكلِّ شاعرٍ ربابته، أو عوده، وثمة دفوف، يبدأ الشاعر الأول بمدح صاحب المناسبة، أو صاحب البيت، وكذلك يفعل الشاعر الآخر بمبالغة أكبر، وهكذا الثالث، والرابع، ثم ينتقل أحدهما على مدح نفسه، فيرد الثاني بمدح نفسه بمبالغة أكثر، وهكذا، فيعيب الأول بهجاء، فيرد الثاني بهجاء أقزع، إلى آخر ذلك، إلى أن يتدخل وجوه الحضرة، ويقترحون موضوعاً للمنادمة، وينقسم الشعراء إلى فريقين، وكذلك ينقسم الجمهور إلى مناصرين لكل فريق، الفريق الأول يأخذ موضوعاً يتغنى به، ويُظهر حسناته، ويقلل من أهمية وقيمة النقيض، الذي يُدافع عنه الفريق الآخر بلا هوادة، ومن بعض الموضوعات التي كانت مجالاً لهذا السجال: السمراء والشقراء، القرية والمدينة، السهل والجبل، الغنى والفقر، وغير ذلك.. من المواضيع، تنتهي المنادمة في الغالب بحل وفاقي، يتفق فيه الفريقان على أن لا معنى للقرية بدون المدينة، أو العكس، والجمال هو الجمال إن كان جمال الشقراء، أم جمال السمراء.. ومن نقطة الاتفاق هذه يتجه الذهن إلى مدح الموضوعين معاً، وإذا لم تنتهِ المنادمة على هذا الحل، فقد كان الزجال الخاسر في السابق، يقوم يكسر ربابته تعبيراً عن مرارة الهزيمة.
على الأغلب كان الزجال يُحضّر قصيدة البدء، لكن بعد ذلك لا يستطيع أن يحدد ماذا يقول، لأن موضوع المنادمة الزجلية يحدده الجمهور، أو يقترحه صاحب المناسبة، ومن ثم تأتي الألفاظ ارتجالاً بحسب تطور الموقف، ولعلّ الزجال (حمد الجوبة) الذي توفي حوالى منتصف القرن الفائت، شكّل ظاهرة لافتة في فنون قول الزجل، فالرجل كان لا يُجيد القراءة والكتابة، غير أنه كان قادراً على ابتكار الجناس، والقصيد، والعتابا، والميجنا، بشكلٍ مذهل، كما لم يُعرف عنه إنه خسر في منادمة زجلية.. وهنا نذكّر بهذه المناسبة بجد المطرب المعروف فؤاد غازي، «أسد فقرو» على عادة أهل القرى في نسب المرء إلى ضيعته أو مدينته، و(فقرو) هي إحدى قرى منطقة الغاب في سوريّا.. فقد كان أسد فقرو زجالاً ذائع الصيت لاسيما في قول موال العتابا، ويُحكى أيضاً إنه تمّ له الأمر كموهبة فطرية، حيث كان الرجل لا يقرأ ولا يكتب..

Leave a Comment
آخر الأخبار