الصحفيون والأدوات الذكية… رغبة قوية وجاهزية غائبة

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – حسين الإبراهيم:

  • ماذا يعني أن يكون الصحفيون متحمسين للأدوات الذكية، بينما تظل جاهزيتهم المهنية والمؤسسية غائبة؟
  • كيف يمكن للصحفيين استثمار الذكاء الاصطناعي في عملهم اليومي إذا كانت المعرفة المتخصصة والبنية التحتية غير متوافرة؟
  • لماذا لا يتحول حماس الصحفيين للأدوات الذكية إلى ممارسة فعلية داخل غرف الأخبار؟
  • ما هي الفجوات المعرفية والمهارية التي تحول دون توظيف الصحفيين للأدوات الذكية بفعالية؟
  • أين تكمن العقبة الحقيقية: في رغبة الصحفيين أم في بيئة المؤسسات الإعلامية الداعمة؟

لم تعد الأدوات الذكية ترفاً تقنياً على هامش العمل الصحفي، بل أصبحت جزءاً من صميم العمل اليومي، من جمع المعلومة وتدقيقها، إلى صياغة النص ومن ثم توزيعه على الجمهور، أمام هذا التحول المتسارع، يبرز سؤال جوهري: هل يملك الصحفيون المعرفة والمهارة والبيئة المؤسسية لاستثمار هذه الأدوات، أم إن حماسهم لها يسبق قدرتهم على توظيفها؟

للإجابة، اعتمدت هذه المقالة استبياناً مسحياً شمل 51 مستجيباً من العاملين في الحقل الإعلامي، وقد غلبت على العينة سمات ثلاث: خبرة مهنية طويلة، إذ تجاوزت خبرة نحو ثلثيهم (64.7%) خمسة عشر عاماً، وأعمار متقدمة، حيث تجاوز 45% منهم الخمسين، ولم تتجاوز فئة الشباب «31-40 عاماً» خُمس العينة، وطبيعة عمل تحريرية في المقام الأول 80.4%، يليها العمل الميداني 45.1%، وهذه السمات تجعل من العينة صوتاً لجيل صحفي راسخ الخبرة يواجه تقنية وليدة، وهو ما يمنح نتائجها دلالة خاصة.

المفارقة الأولى: حماس يفوق المعرفة

تكشف النتائج عن اتجاه إيجابي لافت تجاه الأدوات الذكية، فقد رأى 84% من المستجيبين فيها فرصة لتطوير أدائهم المهني، وأبدى 90% حماساً لتجربة أدوات جديدة في عملهم، بل إن القلق من أن تحل هذه الأدوات محل وظائفهم بقي محصوراً في أقلية لم تتجاوز 31%، فيما رفض ثلثهم هذا القلق صراحة، وهي مؤشرات تنفي الصورة النمطية عن مقاومة مهنية متجذرة للتقنية.

غير إن هذا الحماس لا يقابله رصيد معرفي يوازيه، فمتوسط محور المعرفة بالأدوات لم يتجاوز 2.37 من أصل 5، أي دون منتصف السلم، وحين ننزل إلى تفاصيل البنود، تتضح مواطن الهشاشة: بلغ متوسط المعرفة بأدوات تدقيق الحقائق الآلية 2.02، وبآليات عمل الخوارزميات في توزيع المحتوى 2.04، وبأدوات تحليل البيانات الضخمة 2.08، ولم يرتفع المؤشر نسبياً إلا في المعرفة العامة بنماذج اللغة الكبيرة مثل «ChatGPT» (2.94)، وهي معرفة استهلاكية عامة أكثر منها كفاءة مهنية متخصصة.

هكذا تتشكل المفارقة الأولى: انفتاح وجداني واسع على التقنية، تقابله فجوة معرفية عميقة في تفاصيلها المهنية.

المفارقة الثانية: مهارات متوسطة وثقة  متفاوتة

حين انتقل الاستبيان من المعرفة إلى التقييم الذاتي للمهارات، بقيت النتائج في المنطقة المتوسطة، فقد قيّم المستجيبون قدرتهم على صياغة الأوامر الفعالة للأدوات الذكية بمتوسط 2.39، وعلى التحقق من دقة مخرجاتها بمتوسط 2.55، واللافت أن أعلى درجات الثقة لم تكن في مهارة تقنية صرفة، بل في «التعاون مع زملاء أكثر خبرة رقمية» (3.04) و«تقييم مدى ملاءمة الأداة لمهمة معينة» «3.00»، أي إن الصحفي يثق بحكمه المهني وبقدرته على الاستعانة بغيره أكثر من ثقته بمهاراته التقنية المباشرة، وهو تمييز دقيق يفتح باباً واعداً أمام التدريب التشاركي داخل غرف الأخبار.

وتتقاطع هذه القراءة مع مؤشر جاهزية مركّب يجمع بين المعرفة والمهارة، بلغ متوسطه العام 2.57 من 5، والأدل من الرقم المطلق هو توزعه بين الفئات: إذ لم تكن الجاهزية الأعلى من نصيب الأصغر سناً أو الأحدث خبرة بالضرورة، بل سجّلت فئة الخبرة المتوسطة (8-15 عاماً) أعلى مؤشر (2.99)، متقدمة على فئة الخبرة الطويلة (2.44).

الجاهزية ليست دالة على العمر أو الأقدمية بقدر ما هي دالة على الاحتكاك الفعلي بالأدوات والتدريب عليها.

بيئة لا تسعف الطموح

لا يكتمل تفسير الفجوة بالنظر إلى الأفراد وحدهم، إذ تكشف البيانات عن بيئة مؤسسية قاصرة عن احتضان هذا الطموح، فقد أفاد 58.8% من المستجيبين بأن مؤسساتهم لا توفر أدوات ذكية للاستخدام اليومي، وأقر 72.5% بغياب أي سياسة مكتوبة تنظّم استخدام هذه الأدوات، كما شعر 43% بأنهم لا يحظون بدعم الإدارة لتجربة الجديد، ورأى نحو نصفهم (47%) أنه لا وجود لمتخصصين يمكن الرجوع إليهم عند الحاجة، بهذا المعنى، فإن جزءاً كبيراً من الفجوة ليس نقصاً في الرغبة الفردية، بل غياب للبنية والحوافز والأطر التي تحوّل الرغبة إلى ممارسة.

وعي أخلاقي يسبق التمكين

في مقابل هذا القصور، برزت إشارة ناضجة لافتة: فقد طالب 86% من المستجيبين بوضع ضوابط أخلاقية صارمة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الصحفي، وأبدى نحو 70% ثقة بقدرتهم على تمييز المحتوى المنتج آلياً عن نظيره البشري، وهذا الوعي المبكر بالمخاطر ـ قبل أن تتوفر الأدوات نفسها في كثير من المؤسسات ـ يعكس حساسية مهنية تجاه القيم الصحفية من مصداقية وشفافية ودقة.

 أي خطة للتبني ينبغي أن تقرن التمكين التقني بالتأطير الأخلاقي، لا أن تؤجله.

من صوت الميدان: أين يكمن الحاجز؟

أتاح السؤال المفتوح ـ الذي أجاب عنه 31 مستجيباً ـ الاقتراب من التحديات كما يعيشها الصحفيون بأنفسهم، وقد تصدرت البنية التحتية قائمة العوائق: ضعف الإنترنت، وغياب الأجهزة المتطورة، وارتفاع كلفة الاشتراكات في الأدوات الاحترافية مقابل ضعف الدخل، يليها نقص التدريب والخبرة وصعوبة إتقان الأدوات، ثم سرعة التطور التي تجعل مواكبة الجديد عبئاً إضافياً، كما حضر هاجس أعمق لدى بعضهم: الخوف من أن تفقد الكتابة «بصمتها الإنسانية»، أو أن تتراجع القدرات الذاتية للصحفي مع الاعتماد المتزايد على الآلة.

 التبني ليس مسألة تقنية بحتة، بل قضية تمس الهوية المهنية وجدواها.

سد الفجوة

تلتقي خيوط التحليل عند خلاصة واحدة: المعضلة ليست في الاتجاهات بل في التمكين، فالصحفيون، على تنوع خبراتهم، منفتحون ومتحمسون وواعون بالأبعاد الأخلاقية، لكنهم يفتقرون إلى المعرفة المتخصصة والمهارة التطبيقية والبيئة الداعمة، ومن ثم، فإن سد الفجوة يبدأ انطلاقاً من ثلاثة مداخل متكاملة: أولاً، برامج تدريب عملية متدرجة تبدأ بالأساسيات والأخلاقيات وتدقيق الحقائق، وهي أكثر ما طالب به المستجيبون، وثانياً، استثمار في البنية التحتية يوفر الأدوات والاتصال بكلفة ميسورة، وثالثاً، سياسات مؤسسية مكتوبة تنظّم الاستخدام وتُحيط المبادرة الفردية بالدعم والتقدير.

حدود الدراسة

تجدر الإشارة إلى أن هذه النتائج تستند إلى عينة محدودة قوامها 51 مستجيباً اختيرت اختياراً متاحاً لا احتمالياً، ما يجعلها ذات دلالة استكشافية وصفية لا تُعمم إحصائياً على مجتمع الصحفيين الأوسع، كما إن «مؤشر الجاهزية المركّب» أداة وصفية اجتهادية تُقرأ كترتيب نسبي بين الفئات لا كدرجة معيارية مطلقة، وتبقى هذه القراءة مدخلاً لدراسات أوسع، كمية وكيفية، تتقصى الفجوة بعمق أكبر عبر مؤسسات وأقاليم متعددة.

Leave a Comment
آخر الأخبار