صراع الملكة والمنتقم.. حين تُروى الملاحم في تسعين ثانية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية– ميسون شباني:

في زمنٍ لم يعد فيه المشاهد يمنح الحكاية أكثر من ومضة، كان على الدراما أن تعيد اختراع نفسها، وأن تبحث عن شكل جديد يليق بعصر السرعة دون أن تخسر روحها.

من هنا، يخرج مسلسل “صراع الملكة والمنتقم” من عباءة الدراما التاريخية التقليدية، لا بوصفه نسخة مختصرة من ملحمة “الزير سالم”، بل بوصفه إعادة خلق لها، بروح أكثر حداثة، وإيقاع أكثر توتراً، ولغة بصرية تعرف كيف تقول الكثير في وقت قليل.

*من الملحمة إلى الومضة

هذا العمل لا يقدّم “الزير سالم” كما عرفه الجمهور طويلاً في هيئة الفارس المنتقم وحده، بل يعيد فتح الملحمة من جرحها الأكثر صمتاً، من عين “الجليلة” تحديداً المرأة التي ظلّت طويلاً عالقة في هامش السرد، قبل أن تصبح هنا قلبه النابض، وصوته الأكثر ألماً، ومرآته الأكثر صدقاً.

*حين تتكلم الذاكرة المنسية

في “صراع الملكة والمنتقم” لا تبدأ الحكاية من الحرب، بل من أثرها. لا من السيف، بل من الندبة التي يتركها.

هنا تُستعاد “الجليلة” لا كعنصر ثانوي، بل كذاكرة للصراع نفسه، امرأة تنظر إلى الخراب بعين من خسر كل شيء، وتحوّل الألم إلى مركز السرد لا هامشه.

*الثأر كخراب لا كبطولة

لا يبدو الثأر هنا بطولةً خالصة، بل خراب يتناسل من الدم. الشخصيات ليست أقنعة جاهزة للحكاية، بل كائنات مأزومة تتنفس الخوف والخذلان والرغبة في النجاة. الانتقام لا يُقدَّم كقيمة، بل كمسار انحدار طويل يبتلع أصحابه.

*اقتصاد السرد وكثافة المعنى

ما يفعله العمل بذكاء أنه لا يختزل الملحمة، بل يقطّرها، ينتزع منها زوائد السرد ويحتفظ بعصبها الحي: التوتر، الفقد، الصراع، والانكسار.

في تسعين ثانية فقط، يمكن أن تنفجر مشاعر كاملة، لأن البناء لا يعتمد على التمهيد، بل على الكثافة والاصطدام المباشر.

*لغة بصرية تكتب التاريخ

بصرياً، يشتغل العمل على اقتصاد جمالي صارم، حيث تتحول الصورة إلى أداة سرد قائمة بذاتها.. اللقطات مشغولة بحس سينمائي واضح، والإيقاع محكوم بدقة، والمشهد لا يُستهلك بل يُرمى كشرارة ثم يترك أثره في العين والذاكرة.

*الموسيقا كصوت داخلي للحكاية

الموسيقا هنا لا ترافق المشهد بقدر ما تعيد كتابته من الداخل. ليست خلفية، بل نبض خفي.

وحين يضيق الزمن عن البوح، تتكفل الألحان بما تعجز عنه الكلمات، فتمنح اللحظة عمقها العاطفي الكامل.

*إعادة تفكيك الأسطورة

على مستوى الأداء، تُحرَّر الشخصيات من قوالبها الجاهزة.

“الجليلة” تتحول إلى ذاكرة الجرح، و”جساس” لا يُقدَّم كخصم نمطي بل كوجه ملتبس للحقيقة، بينما يظهر “الزير” كرجل يلتهمه الفقد بقدر ما يقوده الانتقام، لا كبطل أسطوري أحادي الملامح.

*الومضة كبديل للملحمة

قوة العمل لا تكمن في استعادة ملحمة قديمة، بل في جعلها معاصرة وقابلة للقراءة من جديد.

إنه لا يستعير التاريخ ليكرره، بل ليعيد مساءلته، واضعاً سؤالاً مركزياً: هل يمكن للومضة أن تحمل ثقل ملحمة كاملة دون أن تفقد روحها؟

ويجسد الفنان عامر علي شخصية “الزير سالم”، أما الفنانة سوزانا الوز فتؤدي دور”الجليلة”، وبمشاركة كل من كنان كريدي، علي صطوف، يوشع محمود، راما زين العابدين، ومحمد حسن.. وغيرهم ومن تأليف سارة سوار الذهب، وإخراج زاهر قصيباتي.

العمل لا يبدو كمجرد تجربة درامية قصيرة، بل محاولة لاختبار حدود السرد في زمن رقمي لا يعترف إلا باللحظة الخاطفة، لكنه قد يكتشف أن الأثر الأعمق أحياناً يولد من أقصر زمن ممكن.

Leave a Comment
آخر الأخبار