الليرة الجديدة بين الشروط المركزية وحاجات المحافظات.. فجوة تنفيذية تهدد استقرار السوق

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية- عثمان الخلف:

تشير التجارب الدولية إلى أن نجاح أي عملية تغيير للعملة لا يُقاس بجمال التصميم أو سرعة الطباعة، بل بقدرة المواطنين على استخدامها بسهولة وثقة، ومع اقتراب انتهاء مهلة الاستبدال في 30 تموز 2026، لم تعد مسألة طرح ورقة نقدية جديدة مجرد خطوة فنية مصرفية، فالشرط الأصعب هو تقديم الطلبات حصراً عبر مركز مصرف سوريا المركزي في دمشق، من دون تحصيل أي رسوم أو ضرائب، كما اشترط المصرف حداً أدنى لا يقل عن 100 ورقة نقدية من الفئة نفسها لقبول الطلب، على أن تُحوّل القيمة المستحقة بعد التدقيق إلى حساب مصرفي يحدده صاحب الطلب بالليرة الجديدة.

هذه الشروط، وبالأخص شرط المئة ورقة وضرورة السفر إلى دمشق، أثارت تساؤلات واسعة لدى صغار الكسبة والسكان في المحافظات البعيدة الذين لا يملكون أعداداً كبيرة من الفئة ذاتها، ما يضعهم أمام خيارات أحلاها مرّ.

فجوة تنفيذية وفئات متضررة

يرى الخبير الاقتصادي مازن الشاهين، في حديثه لـ«الحرية»، أن الواقع على الأرض اليوم يشير إلى فجوة تنفيذية، فهناك رفض واسع للأوراق القديمة من قبل بعض التجار، وندرة حقيقية في الفئات الصغيرة للعملة الجديدة، وإجراءات استبدال مركزية تُثقل كاهل المحافظات البعيدة، والنتيجة: تعطّل للمعاملات البسيطة، وارتفاع مخاطر الأخطاء والنصب، وتزايد ضغوط اجتماعية على الفئات الأكثر هشاشة.

ويضيف الشاهين: «عندما يشعر التاجر أن استبدال النقد قد يستغرق وقتاً، فإنه يحاول التخلص من المخاطرة بنقلها إلى الزبون، والنتيجة يدفعها المواطن وحده، ولعل أكثر الفئات تضرراً ليست الشركات أو التجار الكبار، بل: كبار السن، وسكان الأرياف، وأصحاب الدخل المحدود، والعمال الذين يتقاضون أجورهم نقداً، فهؤلاء يعتمدون بالكامل على النقد الورقي، ولا يملكون بدائل إلكترونية أو حسابات مصرفية نشطة تمكنهم من تجاوز الأزمة بسهولة».

بحاجة لأدوات تنفيذية عملية

كما يؤكد الخبير الاقتصادي أن أي انتقال نقدي يمر بمرحلة تكيف طبيعية، لكن هذه المرحلة تُدار أو تُفاقم بحسب جودة الإجراءات التنفيذية، وتحديد مصرف سورية المركزي لمهلة واضحة تبدو معقولة من الناحية القانونية، وكذلك إلزامية اعتماد الليرة الجديدة في المعاملات الرسمية بعد انتهاء المهلة، خطوة لازمة لتثبيت النظام النقدي.

ويشير الشاهين إلى أن القواعد الجيدة تحتاج لأدوات تنفيذية عملية، فاشتراط تقديم طلبات الاستبدال حصراً عبر فرع مركزي في دمشق مع حد أدنى يبلغ 100 ورقة من الفئة نفسها، يخلق عقبات لفئات كثيرة في المجتمع، من أصحاب الدخل اليومي والعمال إلى التجار الصغار الذين لا يحتفظون بكميات كبيرة من فئة نقدية واحدة، وهذا الشرط يحفز بدوره سوقاً رمادية من الوسطاء والسماسرة الذين يستغلون الحاجة الملحة، ويزيد احتمالات النصب والأخطاء المحاسبية.

ووفق ما ذكر الشاهين، فإن تجربة الأسواق المحلية تكشف مشكلة ثانية تتمثل في ندرة الفئات الصغيرة للعملة الجديدة، الأمر الذي يؤدي إلى قرارات تسعير مبسطة (التقريب للأعلى) أو قبول وسائل دفع بديلة غير رسمية، ما يضر بالقدرة الشرائية للفئات الضعيفة ويقلص الشفافية في التعاملات. كما أن رفض التجار للأوراق القديمة كإجراء وقائي مفهوم من منظور حماية السيولة، لكنه يمثل انتهاكاً عملياً لمبدأ استمرارية الاقتصاد المحلي، ما لم تواكبه شبكات استبدال ميسرة وقريبة من المواطنين.

كبار السن.. الأكثر عرضة للخسارة

ويلفت الخبير الاقتصادي إلى أنه مع تغيير شكل الأوراق النقدية، ازدادت حالات الالتباس في احتساب القيم، خصوصاً بين كبار السن ومن لا يتعاملون باستمرار مع العمليات الحسابية، وهذه المرحلة قد تفتح الباب أمام أخطاء غير مقصودة، أو ممارسات استغلالية من بعض ضعاف النفوس، ما يستدعي تكثيف حملات التوعية وتشديد الرقابة على الأسواق.

هل كان يمكن تقليل الأزمة؟

يطرح الشاهين جملة حلول لمعالجة هذا الوضع، حلول لا تحتاج إلى اختراع، بل إلى تعديل في التنفيذ بسرعة ووضوح، وذلك عبر إنشاء مراكز مؤقتة للاستبدال في مراكز المدن، أو اعتماد المصارف التجارية في المحافظات لتلقي الطلبات بدلاً من حصرها بدمشق، إضافة إلى تخفيض الحد الأدنى لطلبات الاستبدال، وإعادة النظر في شرط الـ100 ورقة للتسهيل على المواطنين.

كما يؤكد الشاهين على تسريع ضخ الفئات الصغيرة من الليرة الجديدة لتغطية احتياجات التعاملات اليومية، وضرورة تكثيف الحملات الإعلامية للتعريف بالفئات الجديدة وضبط الأسواق لمنع حالات الاحتيال والاستغلال. مبيناً أنه على المدى القصير، يمكن للمصرف المركزي إصدار إرشادات إلزامية للتجار تنص على قبول الأوراق القديمة حتى تاريخ آخر مرن، أو تقديم آلية ضمان لتحويل الباقي لمن يثبت حصوله على أوراق قديمة رفضها تاجر ما.

وعلى المدى المتوسط، فالأولوية يجب أن تكون توسيع البنية التحتية المصرفية الرقمية وإدماج حلول دفع إلكتروني رخيصة وسهلة الاستخدام، تقلل الاعتماد على النقد الورقي للفئات الصغيرة.

انتقال سلس لا يخلق عبئاً

ويختم الخبير الاقتصادي حديثه بالقول إن أي انتقال نقدي لا يُسهم في حماية السكان ذوي الدخول المحدودة سيؤدي إلى مشكلة اجتماعية. لذلك، يتحمل المصرف المركزي مسؤولية أخلاقية واقتصادية لضمان الانتقال السلس عبر إجراءات تنفيذية مرنة، وتواصل مباشر مع غرف التجارة والمجتمع المدني، وممارسات شفافة للحد من الاستغلال. وتحويل العملة هو فرصة لإعادة ضبط النظام النقدي وتعزيز الثقة، لكنه حين يُدار بشكل جامد وغير حساس للواقع الميداني، يتحول إلى عبء يفاقم الأزمة الاقتصادية بدلاً من حلها.

Leave a Comment
آخر الأخبار