جلد الذات.. حين يتحول النقد الداخلي إلى عبء يومي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – فادية مجد:

شهد الاهتمام بالصحة النفسية في السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً، مع تزايد الوعي بأن الكثير من السلوكيات التي تبدو عابرة قد تخفي وراءها أنماطاً عميقة تؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه وقدرته على التقدم. ومن بين هذه السلوكيات يبرز «جلد الذات» بوصفه ظاهرة شائعة تتسلل إلى حياة الأفراد منذ الطفولة، وترافقهم في الدراسة والعمل والعلاقات، لتشكل حاجزاً غير مرئي يحول دون الشعور بالكفاءة والطمأنينة.

ورغم أن النقد الذاتي يعد جزءاً طبيعياً من عملية التطور، إلا أن تحوله إلى صوت داخلي قاسٍ يحمّل الإنسان مسؤولية كل خطأ ويقلل من قيمة كل إنجاز، يجعله مشكلة تستحق التوقف عندها وفهم جذورها وانعكاساتها وسبل التعامل معها.

جلد الذات وتشكله

في هذا السياق، أفادت الدكتورة في التربية وعلم النفس في تربية طرطوس تهامة المعلم أن جلد الذات هو أحد أكثر الأنماط النفسية انتشاراً بين الأطفال واليافعين والراشدين، وهو أسلوب قاسٍ في التعامل مع النفس يقوم فيه الإنسان بتوجيه اللوم المستمر لنفسه، وتضخيم أخطائه، والتقليل من قيمة إنجازاته.

وأوضحت المعلم أن هذا النمط يتشكل تربوياً عندما ينشأ الفرد في بيئة تربط قيمته الشخصية بالنجاح أو الكمال، فيشعر أن أي خطأ يعني أنه شخص غير كفء، مشيرة إلى أن النقد البنّاء يساعد الإنسان على التعلم والتطور، لكنه يتحول إلى عبء عندما يصبح دائماً ويستخدم لغة قاسية مثل «أنا فاشل» و«لن أنجح أبداً» و«لا أستحق التقدير»، مما يستنزف الثقة بالنفس ويمنع النمو النفسي.

 جلد الذات.. الصوت الداخلي القاسي الذي يسرق الثقة ويهدم الطمأنينة

أسبابه التربوية والنفسية

وبيّنت المعلم أن هناك عوامل عديدة تسهم في نشوء جلد الذات لدى الأشخاص صغاراً كانوا أم كباراً، أهمها التربية القائمة على الانتقاد المستمر أو المقارنة بالآخرين، وغياب التشجيع والتركيز على الأخطاء أكثر من الإنجازات، والتعرض للتنمر أو الإهانة أو الرفض في مراحل مبكرة من الحياة، والسعي إلى الكمال والخوف من الفشل، والتجارب المؤلمة أو الصدمات النفسية، إضافة إلى بعض اضطرابات القلق والاكتئاب التي تزيد من حدة النقد الداخلي. مؤكدة أن جلد الذات غالباً ما يبدأ في الطفولة، لكنه قد يستمر مع الإنسان إلى مرحلة الرشد إذا لم يُعالج.

علامات النقد الداخلي القاسي

ولفتت المعلم إلى أن هناك علامات وسلوكيات تشير إلى أن الشخص يعاني نقداً داخلياً قاسياً، مثل لوم النفس حتى في أمور خارجة عن إرادته، والتقليل من أي نجاح يحققه، والخوف المبالغ فيه من الخطأ أو الفشل، والاعتذار المستمر دون سبب حقيقي، والمقارنة الدائمة بالآخرين، والشعور بعدم الاستحقاق مهما حقق من إنجازات، وصعوبة تقبل المديح أو الثناء.

انعكاسات جلد الذات

ولفتت المعلم إلى أن جلد الذات ينعكس على حياة الشخص سواء كان طالباً أو موظفاً أو في حياته اليومية، فالطالب قد يعاني خوفاً من المشاركة وتراجعاً في الأداء الدراسي وقلقاً أثناء الامتحانات رغم امتلاكه قدرات جيدة. وفي بيئة العمل، قد يمنع الشخص من اتخاذ المبادرة ويجعله يشك باستمرار في كفاءته، ويشعر بالإرهاق نتيجة سعيه الدائم لإرضاء الجميع، وفي الحياة اليومية، يؤثر على العلاقات الاجتماعية ويقلل من جودة الحياة، وقد يقود إلى القلق أو الاكتئاب أو الاحتراق النفسي إذا استمر لفترات طويلة.

دور الأهل في الحد من جلد الذات

وأشارت المعلم إلى أن للأهل دوراً أساسياً في الحد من جلد الذات وتعزيز الحديث الداخلي الإيجابي، من خلال تقبل الطفل دون ربط محبته بالنجاح فقط، ومدح الجهد أكثر من النتيجة، والسماح بالخطأ باعتباره فرصة للتعلم، وتجنب المقارنات بين الأبناء أو مع الآخرين، واستخدام كلمات مشجعة تحترم شخصية الطفل، وتعليم الأبناء كيف يتحدثون مع أنفسهم بلطف واحترام. مؤكدة أن الطفل يتبنى مع الوقت الطريقة التي يتحدث بها والداه إليه ويجعلها صوته الداخلي عندما يكبر.

خطوات عملية لمعالجة جلد الذات

وتوصي المعلم بعدة خطوات عملية لمعالجة جلد الذات، مثل ملاحظة العبارات السلبية التي يرددها الشخص لنفسه، واستبدال النقد القاسي بلغة أكثر واقعية ورحمة، وتقبل أن الخطأ جزء طبيعي من التعلم، وتدوين الإنجازات اليومية مهما كانت بسيطة، والتوقف عن المقارنة المستمرة بالآخرين، وممارسة الامتنان والاهتمام بالصحة النفسية والجسدية، وطلب المساعدة من مختص نفسي إذا أصبح جلد الذات مؤثراً في الحياة اليومية.

رسالة أخيرة

وختمت المعلم برسالة بيّنت فيها أن الإنسان لا يجب أن يجعل صوت النقد الداخلي يحدد قيمته، لأنه ليس أخطاءه ولا إخفاقاته المؤقتة، وأن من حقه أن يخطئ ويتعلم ويبدأ من جديد، داعية إلى معاملة النفس بالرحمة نفسها التي يمنحها لمن يحب، لأن التغيير الحقيقي لا يبدأ بالقسوة بل بالفهم والقبول والسعي المستمر نحو الأفضل.

Leave a Comment
آخر الأخبار