سوريا وموازنة 2027.. اختبار الانتقال إلى موازنات البرامج والأداء كيف تتحوّل الموازنة من وثيقة محاسبية إلى أداة توجيه اقتصادي؟

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية- رشا عيسى:

لا يمكن التعامل مع الحديث حول إعداد الموازنة العامة لعام 2027 في سوريا ضمن سياق اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي كاستحقاق تقني عابر، بل كفرصة نادرة لكسر هذا النمط، فرصة لإعادة تعريف “عقل الموازنة” نفسه كيف يفكر، وكيف يقدّر، وكيف يقرّر.
ويضع الباحث والاستشاري في التحول الاقتصادي الدكتور ياسين العلي هذا النقاش في إطار أعمق، يتجاوز تحسين الأرقام إلى إعادة بناء المنهجية، بحيث تتحول المالية العامة من ردّ فعل على الأزمات إلى أداة استباقية لصياغة المسار الاقتصادي.

إعادة هندسة المنهجية

يرى الدكتور العلي في حديث لـ”الحرية” أن أهمية التعاون مع صندوق النقد الدولي في هذا السياق لا تكمن في التمويل بقدر ما تكمن في إعادة هندسة المنهجية، فالصندوق بوصفه مؤسسة خبرة قبل أن يكون جهة إقراض، يقدّم إطاراً تقنياً يقوم على تقدير واقعي للإيرادات، وضبط منهجي للإنفاق، وربطٍ تدريجي بين السياسات المالية والأهداف الكلية للاقتصاد.
وهذا يعني عملياً الانتقال من موازنات تُبنى على تقديرات رغبوية أو ظرفية، إلى موازنات تُشتق من بيانات، وتُختبر عبر سيناريوهات، وتُراجع وفق مؤشرات أداء، وهنا تكتسب الأرقام معناها الحقيقي، إذ تشير تقديرات أولية في الاقتصادات الخارجة من أزمات مماثلة إلى أن فجوة الإيرادات قد تتجاوز 20–30٪ من الحجم الممكن للتحصيل، فيما يلامس الإنفاق غير الموجّه أو ضعيف الكفاءة نسباً تقارب 15–25٪ من إجمالي الإنفاق العام، ما يعني أن جزءاً كبيراً من الاختلال ليس قدراً مالياً بقدر ما هو خلل في التصميم والإدارة هنا تحديداً، كما يوضح الدكتور العلي، تتحوّل الموازنة من وثيقة محاسبية إلى أداة توجيه اقتصادي.

حلقات مترابطة

وتبرز الملفات التي نوقشت من تقوية الإدارة المالية الحكومية، إلى مراجعة المنظومة الضريبية، مروراً بتطوير إدارة الدين العام وتوحيد حسابات القطاع العام ضمن حساب خزينة موحد، كعناصر مترابطة في بناء ما يُعرف بـ”سلسلة المالية العامة المتكاملة”.
ويؤكد العلي أن غياب أي حلقة من هذه السلسلة يفتح الباب أمام الهدر، ويُضعف القدرة على التخطيط، بينما يعني اكتمالها أن الدولة باتت قادرة على معرفة أين تذهب مواردها، وكيف تُعاد توجيهها، وبأي تكلفة، بما يعزز الانضباط المالي ويرفع كفاءة القرار الاقتصادي، شروط التحول الحقيقي وعليه، فإن السؤال حول إمكانية التحول نحو مزيد من الواقعية والشفافية في إعداد الموازنات، ليس سؤالاً نظرياً بقدر ما هو مسار مشروط، ويمكن أن نشهد هذا التحول، لكن بشرطين حاسمين،الأول هو بناء قاعدة بيانات مالية موثوقة ومتكاملة، لأن الشفافية تبدأ من القدرة على القياس، كما يشدد الدكتور ياسين العلي، ولا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه.
والثاني، هو الانتقال إلى ما يُعرف بموازنات البرامج والأداء، حيث لا يُقاس الإنفاق بحجمه فقط، بل بعائده الاقتصادي والاجتماعي، في هذه الحالة تصبح كل ليرة عامة مرتبطة بهدف، وكل هدف قابل للتقييم، بما يعزز المساءلة ويحدّ من الهدر.

التحديات البنيوية

غير أن هذا المسار، رغم ضرورته، ليس خالياً من التحديات وأول هذه التحديات هو الإرث المؤسسي، حيث إن أنظمة مالية تشكّلت في بيئة غير مستقرة تحتاج إلى وقت لإعادة الهيكلة وإعادة بناء الثقة المؤسسية.وثانيها هو الفجوة بين الطموح والقدرة التنفيذية، إذ إن تبني نماذج متقدمة في إدارة المالية العامة يتطلب كوادر مؤهلة، ونظم معلومات حديثة، وإطاراً تشريعياً داعماً.
أما التحدي الثالث، والأكثر حساسية، فيكمن في كيفية الاستفادة من خبرات صندوق النقد الدولي دون الانزلاق إلى نماذج جاهزة لا تراعي خصوصية الاقتصاد المحلي، وهنا يوضح الدكتور العلي أن الفارق كبير بين “الاسترشاد” و“الاستنساخ”، وبين التكييف الواعي والتبني الأعمى.

أولوية تنفيذية عاجلة

وفي قلب هذا المسار، تبرز أولوية تنفيذية لا تحتمل التأجيل، وهي إطلاق حساب الخزينة الموحد (TSA) خلال فترة زمنية لا تتجاوز 12 شهراً، باعتباره الأداة المركزية لضبط التدفقات النقدية العامة، وتقليص الحسابات الموازية، ورفع كفاءة إدارة السيولة الحكومية.
ويشدد العلي على أن غياب هذه الخطوة يبقي أي إصلاحات أخرى عرضة للتشظي، مهما بدت متقدمة نظرياً، إذ يشكل هذا الحساب العمود الفقري لأي نظام مالي حديث.

مفترق طرق سيادي

وفي هذا السياق تحديداً، يبرز ملف التمويل أو الاقتراض من البنك الدولي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية على المدى المتوسط والبعيد، فالقروض حتى وإن بدت ميسّرة في ظاهرها، تحمل في جوهرها التزاماً سيادياً طويل الأجل، يُعاد من خلاله تشكيل أولويات الإنفاق وربما حتى بنية الاقتصاد ذاته.
ويحذر العلي من أن الخطر لا يكمن في الاقتراض كأداة، بل في تحوّله إلى نمط تمويلي دائم، يجعل الدولة أسيرة لخدمة الدين بدلاً من أن تكون قادرة على توجيه مواردها نحو الإنتاج.
وهنا يتبلور الفارق الجوهري بين التمويل القائم على الدين، والتمويل القائم على الاستثمار، فالأول يضيف التزاماً، بينما الثاني، إذا ما أُحسن تصميمه، يوجد أصلاً إنتاجياً، وينقل معرفة، ويُولّد تدفقات نقدية مستقبلية.
لذلك، فإن التحول نحو جذب الاستثمار بدلاً من الاعتماد على الإقراض، ولا يُعد خياراً تكتيكياً، بل مساراً استراتيجياً لتحرير القرار الاقتصادي من الارتهان، وإعادة بناء اقتصاد قادر على تمويل ذاته من داخله، وفق ما يطرحه الدكتور العلي.

بين الاقتصاد والسياسة

هنا تحديداً تظهر أهمية إدارة العلاقة مع المؤسسات الدولية بعقلية اقتصادية لا سياسية فقط، فالتعاون الفني يمكن أن يكون رافعة لإعادة بناء القدرة المالية للدولة، إذا ما أُدرج ضمن رؤية وطنية واضحة، تُحدد ما يُؤخذ وما يُترك، وما يُكيّف وما يُرفض.
ويلفت العلي إلى أن السؤال لم يعد، هل نتعاون أم لا؟ بل، كيف نتعاون دون أن نفقد البوصلة؟

أداة إنتاج

في المحصلة، فإن إعداد موازنة عام 2027 قد يشكل نقطة اختبار حقيقية، إما أن تبقى الموازنة أداة توزيع، أو تتحول إلى أداة بناء قدرة، ومعيار الحكم هنا، كما يوضح العلي، لا يكون في دقة التقديرات أو حجم الأرقام، بل في قدرتها على تحويل الإنفاق إلى إنتاج، والإيرادات إلى استدامة، والدين إلى رافعة نمو لا عبء مؤجل.

أداة سيادية

ويؤكد العلي أن القاعدة الحاكمة لم تعد توصيفاً نظرياً، بل يجب أن تُعامل كقاعدة شبه دستورية في إدارة المالية العامة، كل ليرة عامة لا تُنتج قيمة مضافة قابلة للاستدامة، ولا تُعزّز استقلال القرار المالي للدولة، تُعدّ كلفة مؤجلة تُرحَّل إلى المستقبل، لا استثماراً فيه.
وكان وزير المالية محمد يسر برنية اجتمع -على هامش مشاركته في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين- مع كبار الطاقم الفني لدائرة شؤون المالية العامة في صندوق النقد الدولي، حيث تركز النقاش على متابعة مواضيع الدعم الفني القائمة بين الجانبين.
وتناول النقاش مسائل متعددة من ضمنها المساعدة في التحضير لموازنة عام 2027، وتطوير إدارة الدين العام، والتعاون الفني على صعيد الجمارك، وأكد برنية أهمية توفير المشورة الفنية لتطوير نظام دفع الرواتب والأجور في سوريا.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار