ثلاثة في واحد..!

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- صالح صلاح العمر:

كرسي المسؤول أحياناً يكون أكبر من صاحبه، ليس من حيث الحجم المادي فحسب، بل في مكانة المنصب مقارنة بقدرة الشخص على حمل المسؤولية، هذا التباين بين حجم المنصب وحجم المسؤول يولد مواقف طريفة، أحياناً محزنة، وأحياناً ساخرة.
في بعض المكاتب الحكومية لا تحتاج أن تعرف اسم المسؤول، يكفي أن ترى الكرسي، كرسي ضخم، مرتفع، مبطن بالفخامة، يكاد يبتلع من يجلس عليه وعندما تقترب أكثر، تكتشف أن الكرسي ليس مجرد قطعة أثاث بل هو المنصب نفسه..
المشكلة ليست في الكرسي، المسكين (الكرسي) لم يختر صاحبه، المشكلة في أولئك الذين يجلسون عليه، فيبدون كأطفالٍ استعاروا بدلة والدهم الكبيرة، الأكمام طويلة، والخطوات متعثرة، لكنهم يصرّون على الوقوف أمام المرآة وكأن المقاس مناسب لهم تماماً.
هناك مسؤولون يُكبِّرون مناصبهم إن كانت صغيرة، بتواضعهم وتعاملهم مع الناس بحب وإخلاص، ينظرون إلى الكرسي على أنه أداة عمل عابرة ليست دائمة، لا إلى منصة استعراض وتجبر وتكبر على الناس، وهؤلاء مثل المطر أينما حل أنبتت الأرض شجرة الياسمين..
وفي المقابل، هناك من يجلس على الكرسي فيختفي نصفه خلف المكتب، ويظن أن ارتفاع المقعد يمنحه هيبة، يوقّع القرارات بتردد وارتباك، بينما القرار الحقيقي يتخذ في مكان آخر، في خوفه من الخطأ، أو في رغبته الدائمة بإرضاء من عيّنه.
هل المنصب يغيّر النفوس؟ يقال كثيراً إن المنصب يغيّر الناس.
فالشخص الهادئ يصبح متجهماً، والمتواضع يتحول إلى متعالٍ، والصديق القريب يصبح فجأة بعيداً عن وسطه الذي عاش فيه، تحيط به الحواجز والمواعيد المؤجلة.
لكن الحقيقة قد تكون أبسط مما نتصور، المنصب لا يغيّر النفوس بقدر ما يكشفها.
فالإنسان الذي يحمل في داخله تواضعاً حقيقياً، يظل كما هو حتى لو جلس على أعلى كرسي، لا ينسى الناس الذين عرفوه قبل المنصب، ولا يتحدث مع الآخرين من ارتفاع الكرسي، بل من مستوى العين إلى العين.
يُقال بهذه الخصوص (فاقد الشيء لا يعطيه)، أما من كان يرى في نفسه شيئاً أكبر مما يراه الآخرون، فإن المنصب يمنحه فقط الفرصة لإظهار ذلك، فجأة تصبح الأبواب مغلقة، والكلمات محسوبة، والمسافة بينه وبين الناس أكبر من قبل، السلطة تشبه الضوء القوي، لا تصنع الملامح لكنها تكشفها بوضوح، فهي تُظهر من يعتبر المنصب مسؤولية، ومن يراه امتيازاً شخصياً وتشريفاً وليس تكليفاً.
ماذا يحدث للنفس عندما تُوضع فجأة في اختبار السلطة؟
هناك من ينجح في الاختبار وهناك من يسقط سقوطاً مدوياً، إن تواضع المسؤول لا يُقاس بالكلمات ولا بالابتسامات أمام الكاميرات، بل بالقرب من الناس، والاستماع إليهم، وحل مشاكلهم، وتحديد يوم خاص لاستقبال المواطنين وتقديم كل الخدمات الممكنة لهم بحب وعفوية صادقة، والاعتراف بأن الخطأ ممكن (الاعتراف بالخطأ فضيلة) إن حدث، فالذي لا يعمل لا يخطئ.
كما إن المسؤول المتواضع لا يحتاج إلى تذكير دائم بلقبه، ولا يحرص على المسافة بينه وبين الآخرين، يعرف أن المنصب مرحلة مؤقتة، وأن الكرسي الذي يجلس عليه اليوم سيجلس عليه غيره غداً، يُقال (التواضع اجتلاب المجد واكتساب الودّ).
صحيح أن التواضع يمنح المسؤل هيبة ووقاراً بين الناس، فالهيبة التي تأتي من الاحترام تدوم أكثر من تلك التي تأتي من الخوف، والتي تنتهي مع نهاية المنصب، وصدق من قال: ملأى السنابل تنحني بتواضع والفارغات رؤوسهن شوامخ.
وبما أن الدِّين نصيحة، أقول للمسؤول مقولة كان أبي رحمة الله عليه يذكرني فيها دائماً (اجعل من يراكَ يدعو لمن رباكَ).
وفي النهاية المنصب تكليف وليس تشريفاً والكرسي لا يدوم، قد يرفع الجسد، لكنه لا يرفع الإنسان ما لم ترفعه أخلاقه وعمله، لذلك يبقى المسؤول المتواضع أقرب إلى قلوب الناس، فلغة القلوب لا يعرفها المتكبرون، والناس قد تنسى القرارات، لكنها لا تنسى أبداً من جبر خاطرهم في زمن السنين العجاف.

Leave a Comment
آخر الأخبار