الحرية_ رشا عيسى:
يحتاج اقتصاد الدول الخارجة من الحروب إلى جرعات كبيرة من الثقة قبل أي شيء آخر، وبعد ظروف الحرب التي مرت بها سوريا، بدأت خلال الفترة الأخيرة مرحلة التقاط الأنفاس ومحاولة ترميم ما دمرته الحرب والزلزال. غير إن إعادة البناء لا يمكن أن تتحقق بالإرادة وحدها، بل تحتاج إلى رساميل ضخمة ومناخ استثماري آمن يطمئن المستثمرين ويشجعهم على المغامرة برؤوس أموالهم.
ويرى الباحث والخبير في إدارة الأعمال الدكتور سعد بساطة في حديث لـ”الحرية” أن المرحلة الحالية تتطلب العمل بجدية على استعادة رؤوس الأموال السورية المهاجرة بالتوازي مع جذب المستثمرين الأجانب، مؤكداً أن رأس المال بطبيعته حذر ويميل دائماً إلى التفكير في أسوأ الاحتمالات قبل اتخاذ أي قرار استثماري.
رأس المال و الضمانات
يشير الدكتور بساطة إلى أن أي مستثمر يفكر أولاً في المخاطر المحتملة التي قد تواجه مشروعه، سواء كانت خلافات مع الدولة المضيفة أو نزاعات مع الشركاء المحليين أو المتعهدين الثانويين. لذلك يصبح وجود آليات فعّالة لحل النزاعات شرطاً أساسياً في بناء الثقة.
وأضاف بساطة أن المستثمر لا يبحث فقط عن العدالة، بل عن العدالة السريعة أيضاً، لأن الوقت في عالم الأعمال يساوي المال. فالمستثمر لا يرغب في قضاء سنوات طويلة بين ملفات المحاكم وأروقة التقاضي بانتظار حكم قد يأتي بعد أن يكون المشروع قد فقد جدواه الاقتصادية.
تعقيدات القضاء التقليدي
وأوضح الدكتور بساطة أن التأخير في البت بالقضايا يعود في كثير من الأحيان إلى مجموعة من العوامل مثل الروتين الإداري أو الفساد أو نقص الخبرة في بعض القضايا الاقتصادية المعقدة، الأمر الذي قد يضعف ثقة المستثمرين بالمنظومة القضائية التقليدية.
وللتعبير عن هذه المفارقة يورد بساطة طرفة قانونية متداولة، إذ قال أحد القضاة لمحامٍ
“لو كان ما تقوله صحيحاً لأحرقت كل كتبي في القانون”.فأجابه المحامي بهدوء: “ربما من الأفضل أن تقرأها بدلاً من أن تحرقها يا سيدي”.
حل عملي للنزاعات
في مواجهة هذه التحديات ظهرت مراكز التحكيم كأحد الحلول العملية والحديثة لفض النزاعات التجارية والاستثمارية. وأكد الدكتور بساطة أن فكرة التحكيم ليست جديدة تماماً، بل تمتد جذورها إلى قرون طويلة، إذ عرف العرب شكلاً مبكراً منها في حلف الفضول الذي نشأ في يثرب قبل أكثر من ألف عام لحماية حقوق التجار الغرباء.
وأضاف أن نظام التحكيم تطور بشكل كبير في العصر الحديث، خاصة في أوروبا خلال منتصف القرن الماضي، حيث اعتمدته العديد من الدول كبديل أكثر سرعة ومرونة مقارنة بالمحاكم التقليدية، قبل أن ينتشر لاحقاً في معظم دول العالم.
فض المنازعات الاستثمارية
وفي هذا الإطار تبرز أهمية إنشاء مركز دولي متخصص في تسوية وفض المنازعات الاستثمارية يعمل وفق أفضل المعايير والممارسات الدولية.
وأكد الدكتور بساطة أن الهدف من هذا المركز هو أن يكون منصة متخصصة تسهم في تعزيز جاذبية البيئة الاستثمارية وترسيخ مبادئ العدالة والشفافية في معالجة النزاعات.
كما يهدف المركز إلى تقديم خدمات احترافية في تسوية المنازعات من خلال آليات حديثة ومحايدة وبمشاركة خبرات قانونية دولية، بما يضمن سرعة الإجراءات ووضوحها ويعزز ثقة المستثمرين ببيئة الأعمال.
الحياد والكفاءة
وأشار بساطة إلى أن نجاح أي مركز تحكيم يعتمد على منظومة قيم واضحة، في مقدمتها الحياد والكفاءة المهنية والشفافية وسرعة الإجراءات.
وأضاف أن هذه المبادئ تشكل الأساس لتوفير منصة موثوقة لفض النزاعات في مجالات متعددة، مثل الاستثمارات الأجنبية والمشاريع المشتركة والعقود التجارية وحقوق الملكية الفكرية.
آليات حديثة لحل النزاعات
وبيّن الدكتور بساطة أن المركز المقترح سيعتمد مجموعة من الوسائل الحديثة المعترف بها عالمياً، أبرزها التحكيم والوساطة والتفاوض، وذلك بالاستعانة بنخبة من الخبراء المتخصصين في القانون الدولي وقانون الاستثمار لضمان تسوية النزاعات بكفاءة وموضوعية.
كما يمكن للأطراف تقديم طلبات التحكيم إلكترونياً، فيما يتم تشكيل هيئة التحكيم من خبراء معتمدين، وتعقد الجلسات حضورياً أو عبر الاتصال المرئي، قبل إصدار القرارات وفق قواعد التحكيم المعتمدة.
قواعد ومعايير دولية
وأوضح بساطة أن المركز سيعتمد قواعد التحكيم الدولي المعتمدة لدى غرفة التجارة الدولية وقواعد الأونسيترال، إضافة إلى القواعد المحلية المعتمدة لدى الجهات القضائية الوطنية، بما يضمن توافق عمله مع المعايير الدولية.
كما سيعمل على بناء شراكات مع الجهات الحكومية والمؤسسات الاقتصادية وغرف التجارة والصناعة والمؤسسات الأكاديمية لدعم الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال
تجارب ناجحة في المنطقة
ولفت الدكتور بساطة إلى أن العديد من دول المنطقة سبقت في إنشاء مراكز تحكيم متخصصة أثبتت نجاحها في تسوية النزاعات التجارية، مثل مراكز التحكيم في دبي وأبوظبي والشارقة وإسطنبول، والتي أصبحت منصات معروفة إقليمياً ودولياً في حل النزاعات بطرق سريعة ومحايدة.
خطوة أساسية
وأكد الدكتور بساطة أن إنشاء مركز متخصص لفض المنازعات الاستثمارية لا يمثل مجرد خطوة قانونية، بل رسالة واضحة للمستثمرين بأن بيئة الأعمال تتجه نحو مزيد من الشفافية والاستقرار.
وأضاف أن توفير آليات عادلة وسريعة لحل النزاعات يشكل أحد أهم العوامل التي تعزز ثقة المستثمرين وتجذب رؤوس الأموال، وهو ما تحتاجه البلاد بشدة في مرحلة التعافي وإعادة البناء.