الحرية – خليل اقطيني:
تعد القهوة المرة العربية هي أولى الضيافات التي تقدم للمهنئين في العيد في محافظة الحسكة.
حيث مازالت هذه القهوة تلازم كل بيت في كل مناسبة ولاسيما الأعياد، وإذا كانت أغلبية أهل المدن يشترونها محمصة من بائعي القهوة، ثم يقومون بإعدادها في البيوت، أو حتى جاهزة، فإن أغلبية أهل الريف وبعض أهل المدن مازالوا يقومون بتحميص حبوب القهوة المرّة بأنفسهم.
وبحسب الباحث في التراث عايش كليب يوضع الحطب في (المنقل) ويتم إشعاله حتى يتحول إلى جمر، ويوضع عليه (المحماس) المملوء بحبوب القهوة الخضراء، التي يتم تقليبها بوساطة عصا حديدية حتى تتحول إلى اللون البني، ويفضل الكثير من أبناء ريف الحسكة الاستمرار بتحميص القهوة حتى السواد. لتـُرفع القهوة من (المحماس) وتوضع في إناء آخر حتى تبرد ويجف الزيت عن جسمها، ثم توضع في (المهباش) وتدق حتى الطحن. وتصبح جاهزة للتحضير، بإضافة 4 ملاعق كبيرة من البن المطحون إلى كوبين من الماء المغلي، وبعد 10 دقائق من الغليان تضاف ملعقتا هيل، ثم يحرك المزيج إلى أن تصل القهوة إلى اللزوجة المرغوبة، والبعض ينكهها بالقرنفل والزعفران والزنجبيل، ثم تصفى القهوة وتوضع في (الدلـّة) أو المصب، الذي يفضله أهل المحافظة شامياً رسلانياً، وإن كانت المصبات الخليجية بدأت بالظهور في بعض البيوت من قبيل التباهي.
ويضيف كليب: إن القهوة العربية يجب أن تكون جاهزة منذ الصباح الباكر في العيد، والبعض يجهزها في ليلة العيد (الوقفة)، ويتركها جاهزة في المضافة. ومع إطلالة أول ضيف، يبدأ تقديم القهوة العربية المرة.
ولهذا طقوسه المتوارثة حتى اليوم. إذ على من يقدمها أن يمسك (الدلّة) أو المصب بيده اليمنى والفنجان بيده اليسرى، ويشرب أول فنجان أمام الضيف وهذا يسمى (فنجان الهيف)، للتأكد أن القهوة جاهزة وغير (صايدة). ثم يتم تقديم القهوة للضيف الذي عليه استقبال الفنجان بيده اليمنى وهذا الفنجان الثاني يسمى (فنجان الضيف)، وإذا لم يهز الضيف الفنجان يُـقدم له الفنجان الثالث ويسمى (فنجان الكيف)، دلالة على استمتاع الضيف بالقهوة، والفنجان لا يـُهـَز إلّا في الأفراح، وإذا استمر الضيف بطلب القهوة يـُقدم له الفنجان الرابع ويسمى (فنجان السيف)، دلالة على أن الضيف يقف مع المضيف في السراء والضراء، وهناك الفنجان الخامس والأخير وهو (فنجان الفارس)، وهو فنجان يـُقدم في مناسبات خاصة، على من يقبل بشربه أن يتصدى للأعداء فإما أن يقتلهم أو يـُقتل.
ويتابع كليب حديثه ممزوجاً بشيء من الأسى: للأسف اليوم استبدل بعض أهل محافظة الحسكة المنقل والمحماس بالمحمصة، والمهباش بالمطحنة الكهربائية، والدلة (بالطرمز). لكن بالرغم من ذلك مازال العديد من سكان هذه المحافظة متمسكين بالأدوات الأصلية لتصنيع القهوة العربية، ويحافظون عليها وما زالوا يستخدمونها في بيوتهم حتى اليوم، في دلالة على تمسكهم بتراثهم الذي توارثوه أباً عن جد.