في يومه العالمي.. فرقة دمشق لموسيقا الجاز  على خشبة دار الأوبرا السورية

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية- حسيبة صالح :

يُشعلُ يومُ 30 نيسان/أبريل من كل عام ذاكرة اليوم العالمي لموسيقا الجاز، ويعيد إلى الواجهة ذلك اللون الفني الذي وُلد من الألم، ونما بالحرية، وارتفع ليصبح لغةً كونية لا تحتاج إلى ترجمة.

في هذا اليوم تحديدًا، تتوحّد المدن تحت مظلة الجاز، وتلتقي الثقافات على إيقاع واحد، كأن العالم يختبر لحظة تناغم نادرة.

وموسيقا الجاز، في جوهرها، أكثر من مجرد أسلوب موسيقي. هي حكاية شعوب قاومت القهر بالإيقاع، وابتكرت من الارتجال مساحة للبوح والحرية. نشأت في المجتمعات الإفريقية‑الأميركية، ثم عبرت المحيطات لتصبح لغة عالمية يتقنها كل من يملك شغفًا بالحياة. إنها موسيقا تُبنى على اللحظة، على الجرأة، على الحوار بين الآلات، وعلى قدرة الفنان على تحويل الشعور إلى صوت.

وتحمل دمشق هذا العام شعلة الجاز بطريقتها الخاصة، إذ تقدّمت فرقة دمشق لموسيقا الجاز بقيادة المايسترو دلامة شهاب إلى خشبة دار الأوبرا السورية، لتعلن أن هذه الموسيقا ليست بعيدة عن الروح السورية، بل جزء من نبضها المتجدد. امتلأت القاعة بجمهور يعرف الجاز، ويحب ارتجالاته، ويصغي لحرارته كما لو أنه يسمع حكايته تُعزف أمامه.

وفرقة دمشق لموسيقا الجاز ليست اسمًا عابرًا في المشهد الموسيقي السوري. إنها مشروع فني تأسس على رؤية واضحة: تقديم الجاز بروح سورية معاصرة، تجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الارتجال الغربي واللمسة الشرقية التي تمنح الموسيقا نكهتها الخاصة. يقودها المايسترو دلامة شهاب، الذي استطاع مع مجموعة من الشباب المبدعين أن يضعوا دمشق على خارطة الجاز العالمي بأسلوب متفرّد، نابض بالحياة، ومفتوح على التجريب.

وتحوّل المسرح في هذه الأمسية إلى مساحة مشتركة بين دمشق وأوروبا، بعد مشاركة الفرقة في الاحتفال العالمي الذي ينظمه الاتحاد الأوروبي.

لم يكن اللقاء مجرد عرض موسيقي؛ كان حوارًا فنيًا بين ثقافتين، يلتقيان على خشبة واحدة، ويصنعان ليلة لا تشبه إلا نفسها، ليلة تُثبت أن الموسيقا قادرة على تجاوز الحدود حين تعجز الكلمات.

وتقدّم الفرقة أسلوبها المتفرّد، ذلك المزيج الذي يجمع بين روح الجاز الأصيلة ولمسة الشباب السوري المبدع. ارتفع صوت الساكسفون والكونترباص والآلات الشرقية كأن المدينة كلها تتنفس موسيقا، وكأن الأوبرا تضيء من الداخل بطاقة موسيقية صادقة لا تُصطنع ولا تُقلَّد. بدا واضحًا أن الفرقة لا تكتفي بتقديم الجاز… بل تعيد صياغته بروح سورية معاصرة.

وتثبت هذه الأمسية أن الجاز في دمشق ليس ضيفًا عابرًا، بل مشروع فني يواصل نموّه، ويقدّم نفسه للعالم بثقة. فالعروض حملت نضجًا موسيقيًا وجرأة في التوزيع وحضورًا مسرحيًا جعل الجمهور يصفّق بحرارة طويلة، وكأنه يردّ التحية إلى موسيقا أحبّها منذ سنوات.

وينتهي الحفل… لكن أثره يبقى، كأن الجاز ترك في هواء الأوبرا وعدًا بأن الفن سيظل قادرًا على جمع ما تفرّقه المسافات، وعلى فتح نوافذ جديدة للروح. فالجاز، كما قدّمته دمشق في هذه الليلة، لم يكن مجرد موسيقا… بل كان احتفالًا بالإنسان، وبالحرية، وبالقدرة على خلق الجمال رغم كل شيء.

Leave a Comment
آخر الأخبار