طقوس استقبال الحجاج في درعا.. عادات متوارثة وأجواء من الألفة والتسامح

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – عمار الصبح:

تشكل عودة الحجاج إلى أرض الوطن بعد رحلة الحج إلى الديار المقدسة مناسبة اجتماعية، يستعيد من خلالها أهالي محافظة درعا طقوساً وعادات متجذرة في الذاكرة الشعبية. ورغم اختلاف بعض هذه العادات بين الأمس واليوم، لا تزال هذه المناسبة تحظى باهتمام بالغ، تحمل رمزية اجتماعية ودينية كبيرة وعميقة.

زينة ورايات وأغصان خضراء

تبدأ استعدادات الأهالي لاستقبال ذويهم من حجاج بيت الله الحرام غالباً قبل أيام من موعد وصولهم، عبر ترتيبات تتصاعد وتيرتها وصولاً إلى اليوم المحدد للوصول. وتشمل هذه الاستعدادات تنظيف المنازل وتجهيز «المضافات» بشكل لائق لاستقبال المهنئين.

وتحضر الزينة بشكل أكبر في مناسبة استقبال الحجاج، إذ تُعلق حبال الإضاءة وتُنصب الرايات على واجهات المنازل والشوارع، ويتم وضع الجداريات أو رسمها على واجهات المباني حاملة عبارات مثل: «حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً»، و«من زار قبري وجبت له شفاعتي»، وغيرها من عبارات الترحيب بالحجاج، إلى جانب رسومات الكعبة المشرفة على الجدران.

ويوضح الباحث في شؤون التراث أيمن الموسى أن الكثير من تقاليد استقبال الحجاج في محافظة درعا لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الشعبية، محافظة على طابعها التراثي المتوارث عبر الأجيال، وإن اختلفت بعض تفاصيلها. مشيراً إلى أن تطور التقنيات لعب دوراً في تغير الأدوات المستخدمة في تزيين البيوت، إذ كانت سابقاً تعتمد طرقاً تقليدية.

يقول الموسى في حديثه لـ«الحرية»: «قبل سنوات مضت، كانت مداخل منازل الحجاج السوريين تتزين بأغصان خضراء من الكينا والسرو أو سعف النخيل، فيما تتزين جدران البيت والمضافات بالزينة المصنوعة من الورق أو السلوفان التي يتم شراؤها من منطقة العصرونية بدمشق، وهي عبارة عن حبال من الأعلام مكتوب عليها لفظ الجلالة مع اسم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى بعض الأحاديث الدينية الخاصة بالحج، وأشرطة من السلوفان اللاصق تحمل عبارات الترحيب بالحجاج يتم لصقها على الجدران».

ويشير إلى أن الكثير من هذه الوسائل لا تزال موجودة ولكن بتقنيات جديدة، مع دخول الزينة العصرية من حبال الإضاءة ذات الأشكال المختلفة والمصابيح الكهربائية التي تعلق على مداخل البيوت وجدرانها الخارجية، والتي تظل معلقة فترة طويلة احتفاءً بالحجاج، مشيراً إلى حضور أكبر لوسائل الزينة الحديثة، كبوكيهات الورد والستاندات والزخارف الخشبية «البيلكسي» المنقوشة بالعبارات أو بأسماء الحجاج.

لحظة الوصول.. تكبيرات وزغاريد

في كثير من المناطق، يتجاوز الاحتفال حدود البيت ليمتد إلى الشارع بأكمله، إذ تصل الترتيبات إلى ذروتها مع وصول الحجاج إلى بيوتهم، ليبدأ توافد الأهل والجيران للمشاركة في طقوس الاستقبال والتهنئة والدعاء للحجاج بحجة مبرورة.

ويُعد وصول الحجاج إلى بيوتهم لحظة فارقة تفيض بالمحبة والفرح، حيث تتحول لحظة الوصول إلى احتفال جماعي، تحضر معه التكبيرات والزغاريد، بينما يتم رش الأرز والورود التي تُجهز مسبقاً في أطباق مزينة لهذه اللحظة.

يؤكد الباحث الموسى أن مظاهر الاستقبال اختلفت بين الأمس واليوم، فقديماً كانت درعا المحطة الأولى على مسار «القافلة الشامية»، وكان الأهالي ينتظرون حجاجهم عند الحدود الإدارية للمحافظة. وحتى وقت ليس ببعيد، كان الأهالي يتوجهون إلى مشارف البلدات والقرى لاستقبال القوافل، ترافقهم الدفوف والزغاريد، وسط أجواء احتفالية تشبه «الزفة»، فيما ترافق اليوم مواكب السيارات الحاج من المطار وصولاً إلى بلدته، حيث تجوب الشوارع والأحياء لتصل أخيراً إلى باب منزله.

تكافل اجتماعي بطعم الألفة

طقوس استقبال الحجاج، وإن اختلفت تفاصيلها بين منطقة وأخرى في درعا، فإنها لا تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية لأبناء المحافظة.

وتؤكد الاختصاصية الاجتماعية نسرين العساف لـ«الحرية» أن المشاركة الجماعية في استقبال الحجاج من قبل أقاربهم وأبناء بلدتهم أو حيهم، لا تزال إحدى أهم المشاهد التي تميز هذه المناسبة، التي كانت ولا تزال مثالاً على التلاحم والترابط المجتمعي، وأيضاً بما تحمله من قيم التسامح والألفة.

كما تشير العساف إلى عادة محمودة لا تزال حاضرة حتى الآن، إذ غالباً ما يعمد الحجاج، قبل مغادرتهم إلى الديار المقدسة، إلى تفقد ذويهم وأقاربهم وزيارة كل من كانوا على خلاف معهم لسبب أو لآخر، وذلك كنوع من المسامحة وطلب الصفح. وعند عودة الحجاج، يبادر هؤلاء إلى التهنئة كدليل على زوال المشاحنات.

وتبين العساف أن استقبال المهنئين يبدأ في اليوم التالي لوصول الحجاج ويستمر لعدة أيام، يُقدم الحجاج خلالها ما تيسر لهم من هدايا رمزية جلبوها معهم أو تم شراؤها من السوق المحلية، كالمسابح وسجاد الصلاة والعطور والمساوك وهدايا الأطفال، مع تقديم الضيافة التي يأتي في مقدمتها ماء زمزم والتمر والقهوة المرة.

وتلفت العساف إلى عادة لا تزال موجودة في بعض المناطق، وهي إقامة الولائم للحجاج، إذ يعمد الأقارب والجيران إلى دعوة الحجاج إلى ولائم تليق بهم مع دعوة الكثير من أبناء البلدة إليها، فيما يعمد آخرون، وخصوصاً الجيران، إلى تحضير «النزالة»، إذ يقوم الجيران بتجهيز الطعام وإرساله إلى بيت الحاج الجديد احتفاءً به وتكريماً له.

حاضر ويتجدد

قد تختلف تفاصيل الاحتفاء بالحجاج بين منطقة وأخرى في المحافظة، لكن تبقى العناوين العريضة هي ذاتها في العموم. ليظل لهذه المناسبة حضورها القوي في الذاكرة الشعبية، يتجدد كل عام، فتجلب معها أجواءً من البهجة والتكافل والتسامح، بوصفها مناسبة اجتماعية ودينية تتجاوز حدود التهنئة الفردية إلى مشهد جماعي زاخر بإرث ديني واجتماعي عريق لا يزال حاضراً ويتجدد.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار