الجلطة الدماغية.. «الوقت من ذهب» وعلاجات حديثة تقلل الإعاقة

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – حوار: رانيا يوسف علي

تُعد الجلطة الدماغية من أخطر الحالات الإسعافية التي تهدد حياة الإنسان، إذ قد يؤدي تأخر العلاج إلى أضرار عصبية دائمة. ومع التطور المتسارع في طب الأعصاب، أسهمت مذيبات الخثرة والقثطرة الدماغية في إحداث تحول كبير في علاج الجلطات وتقليل نسب الإعاقة والوفيات.

وفي هذا الحوار، يكشف الدكتور محمد الزعبي، المتخصص في طب الأعصاب وعضو الأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب والجمعية الأوروبية لطب الأعصاب عن أحدث أساليب العلاج وواقع توفرها في سوريا، حيث أوضح أن الوقت يمثل العامل الأهم في إنقاذ المريض، وأن كل دقيقة تأخير قد تعني فقدان جزء من الوظيفة العصبية، مؤكداً  أن 4 ساعات ونصف الساعة تعتبر نافذة حاسمة لإذابة الخثرة.. والقثطرة الدماغية قد تنقذ المرضى حتى 24 ساعة بشروط محددة.

العلاج في سوريا.. والدواء لا يكفي لوحده

وبيّن الدكتور الزعبي أن العلاج المذيب للخثرة لم يكن متوافراً على نطاق واسع في سوريا خلال الفترة الماضية، رغم دخول كميات محدودة منه في بعض الحالات وبدعم دولي، موضحاً أن توفير الدواء وحده لا يكفي، بل يتطلب الأمر كوادر مدربة وخبرة في اختيار المرضى وقراءة الصور الشعاعية والتعامل السريع مع الحالات.

وأشار إلى وجود دواءين أساسيين لإذابة الخثرة، هما ألتيبلاز (Alteplase) وتينكتيبلاز (Tenecteplase)، الذي يُعد الخيار الأحدث في هذا المجال.

نافذة حاسمة للعلاج

وينتقل الدكتور الزعبي إلى النقطة الأكثر حسماً في علاج الجلطات: النافذة الزمنية التي لا تتسامح مع التأخير، حيث يوضح أن النافذة الزمنية الأساسية لإعطاء الدواء المذيب للخثرة تصل بشكل عام إلى 4 ساعات ونصف الساعة من بدء الأعراض، وفق شروط ومعايير طبية محددة. ويبدأ الفريق الطبي بتحديد وقت آخر لحظة كان فيها المريض طبيعياً، ووقت ظهور الأعراض، وما إذا كان يتناول مميعات للدم، قبل إجراء التصوير الطبقي للدماغ وتصوير شرايين الدماغ، بهدف استبعاد النزف وتحديد وجود انسداد في شريان كبير. ويؤكد أن الساعة الأولى هي «الساعة الذهبية»، إذ تكون فرص تحسن المريض وعودته إلى وضعه الطبيعي أكبر كلما تلقى العلاج بشكل أسرع، بينما تتراجع الفائدة مع مرور الوقت.

د. الزعبي: «الساعة الذهبية» تفصل بين الشفاء والإعاقة.. والقثطرة الدماغية تنقذ المرضى حتى 24 ساعة

ألتيبلاز وتينكتيبلاز.. ما الفرق؟

وبعد أن حدد النافذة الزمنية الحاسمة، ينتقل الدكتور الزعبي إلى تفصيل الخيارات العلاجية المتاحة ضمن هذه النافذة، إذ بيّن أن ألتيبلاز يُعطى بجرعة 0.9 ملغ/كغ وبحد أقصى 90 ملغ، حيث تُعطى 10% من الجرعة وريدياً خلال دقيقة، فيما تُعطى الكمية المتبقية بالتسريب خلال ساعة. أما تينكتيبلاز، فيُعطى بجرعة 0.25 ملغ/كغ عن طريق الحقن الوريدي خلال فترة قصيرة، ولا يحتاج إلى التسريب لمدة ساعة. وأكد أن انتهاء إعطاء الدواء لا يعني انتهاء التعامل مع الحالة، ففي حال استمرار العجز العصبي ووجود انسداد في شريان كبير، قد يحتاج المريض إلى القثطرة الدماغية.

القثطرة الدماغية.. خيار قد يمتد إلى 24 ساعة

ووصف الدكتور الزعبي القثطرة الدماغية بأنها «ثورة حقيقية» في علاج الجلطات، موضحاً أنها تعتمد على إدخال أدوات خاصة عبر أحد الشرايين والوصول إلى شرايين الدماغ لسحب الخثرة أو شفطها وإعادة فتح الشريان، مشيراً إلى أن التوصيات الحديثة تتيح في حالات محددة إجراء القثطرة حتى 24 ساعة من بدء الإصابة، وفق معايير طبية ونتائج التصوير، بينما تبقى نافذة إعطاء مذيبات الخثرة بشكل عام ضمن 4 ساعات ونصف الساعة.

أعراض لا تحتمل الانتظار

ولأن سرعة التشخيص لا تقل أهمية عن سرعة العلاج، ينتقل الدكتور الزعبي إلى استعراض الأعراض التحذيرية التي تستدعي التوجه الفوري للطوارئ، موضحاً أنها تختلف حسب الشريان والمنطقة المصابة.

فمن أبرز العلامات المفاجئة: ضعف أو شلل أحد الأطراف، ميلان زاوية الفم، اضطراب الكلام وعدم فهمه، تشوش الرؤية واضطراب التوازن، إضافة إلى الصداع الشديد والإقياء في بعض الحالات.

ويشير الدكتور الزعبي إلى أن انسداد الشريان المخي الأوسط الأيسر قد يؤدي إلى ضعف في الجانب الأيمن من الجسم واضطرابات الكلام، بينما تُعد إصابة الشريان القاعدي شديدة الخطورة نظراً لدوره في تغذية جذع الدماغ المسؤول عن وظائف حيوية مثل الوعي والتنفس والبلع وحركة الأطراف.

 التصوير والذكاء الاصطناعي في خدمة العلاج

كما أكد الدكتور الزعبي أن التصوير الطبقي المحوري يمثل الفحص الأساسي والسريع للتمييز بين النزف الدماغي والجلطة الناتجة عن انسداد شرياني، فيما يستطيع الرنين المغناطيسي كشف الإصابة في مراحل مبكرة في بعض الحالات. موضحاً أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مهمة في علاج السكتات الدماغية، من خلال تحليل صور الطبقي والرنين وتصوير شرايين الدماغ، والمساعدة في تحديد مكان الانسداد وحجمه وتقدير حجم النسيج المتضرر مقارنة بالأنسجة القابلة للإنقاذ، ما يدعم اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة.

الوقاية ممكنة في نسبة كبيرة من الحالات

كذلك أشار الدكتور الزعبي إلى أن بعض عوامل الخطر، كالعمر والعوامل الوراثية وبعض اضطرابات نظم القلب، لا يمكن التحكم بها، بينما يمكن تعديل نسبة كبيرة من العوامل الأخرى. وتشمل أبرز عوامل الخطر القابلة للتعديل ارتفاع ضغط الدم والسكري وزيادة الوزن والتدخين والكحول وارتفاع الدهون وقلة الحركة والنظام الغذائي غير الصحي، مشدداً على أهمية ضبط الضغط والسكر، وممارسة الرياضة، واتباع نظام غذائي صحي، والابتعاد عن التدخين والكحول والدهون والزيوت المهدرجة.

سوريا بحاجة إلى منظومة متكاملة

لكن الدكتور الزعبي يحذر من أن توفر الأدوية والتقنيات المتقدمة، مهما بلغت فعاليتها، لا يكفي وحده لتحقيق النتائج المرجوة، إذ تبقى منظومة الرعاية المتكاملة هي الأساس لأن علاج الجلطات لا يعتمد على الدواء وحده، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل مذيبات الخثرة وأجهزة التصوير الطبقي وتصوير شرايين الدماغ ووحدات متخصصة للجلطات، إلى جانب كوادر طبية وتمريضية وإسعافية مدربة، مشيراً إلى أن القثطرة الدماغية تحتاج إلى تجهيزات متطورة وخبرات متخصصة، مع وجود إمكانات محدودة في بعض المراكز، لكنها ليست متاحة على نطاق واسع في سوريا.

العلاج المبكر.. إنقاذ للمريض ولأسرته

ويختم الدكتور الزعبي حديثه بالتأكيد على أن التطورات الحديثة في علاج الجلطات، سواء عبر مذيبات الخثرة أو القثطرة الدماغية، لم تكن مجرد إنجازات علمية، بل أسهمت فعلياً في تقليل الإعاقة والوفيات، وأعادت الأمل إلى أعداد كبيرة من المرضى، ومكنتهم من العودة إلى حياتهم وأعمالهم، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن هذه الإنجازات تظل ناقصة ما لم تصاحبها سرعة في التشخيص والتدخل، مشدداً على أن الجلطة الدماغية حالة إسعافية لا تحتمل الانتظار، وأن سرعة نقل المريض إلى مركز قادر على إجراء التصوير وتقييم الحالة وبدء العلاج تمثل العامل الأهم في إنقاذ خلايا الدماغ وتقليل فرص العجز الدائم.

Leave a Comment
آخر الأخبار