الحرية- مها يوسف:
تتجه المنطقة نحو إعادة بناء منظوماتها الاقتصادية على أسس تكاملية تربط بين النقل والطاقة والأمن الغذائي، في ظل تحولات عالمية تفرض البحث عن مسارات أكثر مرونة واستدامة. وتبرز المملكة العربية السعودية كقوة محورية تقود مسار إعادة تشكيل الفضاء الإقليمي، عبر مشاريع استراتيجية تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، وتربط آسيا بإفريقيا وأوروبا ضمن رؤية اقتصادية شاملة.
في هذا السياق يوضح الدكتور زياد أيوب عربش الأكاديمي والمستشار الاقتصادي، أن المملكة تعمل على إعادة إحياء دورها الإقليمي من خلال تطوير جسور برية وبحرية تجعل من دول المنطقة، ولا سيما سوريا، مراكز متكاملة للنقل والإمداد، وليس مجرد ممرات عبور تقليدية.
تطوير ممرات النقل
يرى الدكتور عربش أن إحياء مشاريع السكك الحديدية، وعلى رأسها استلهام سكة حديد الحجاز بصيغتها الحديثة، يمثل خطوة استراتيجية لربط السعودية بالأردن وصولاً إلى الموانئ السورية، ومنها إلى الأسواق الأوروبية. ويعزز هذا التوجه من موقع الرياض كبوابة رئيسية لربط الخليج بأوروبا، في إطار تكامل لوجستي يمتد من موانئ ينبع على البحر الأحمر إلى قناة السويس، بما يدعم حركة التجارة الدولية ويخفض تكاليف النقل.
تعزيز الأمن الغذائي
يشير الدكتور عربش إلى أن الأمن الغذائي يشكل محوراً أساسياً في هذه الرؤية، حيث يجري التخطيط لإنشاء خطوط نقل مبردة، بما في ذلك سكك حديدية مخصصة لنقل المنتجات الزراعية الطازجة من سوريا إلى السعودية خلال ساعات. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل اعتماد دول الخليج على استيراد نحو 85% من احتياجاتها الغذائية عبر البحر، ما يفتح المجال أمام تحويل سوريا إلى سلة غذاء إقليمية ومصدر آمن للإمدادات، ويسهم في إعادة إحياء القطاع الزراعي السوري.
مشاريع الطاقة والإمداد
يوضح الدكتور عربش أن مشاريع الطاقة تمثل ركيزة أساسية في هذا التكامل، مع توجه لإنشاء خطوط لنقل الغاز والنفط عبر سوريا والأردن نحو أوروبا، باستثمارات يُقدّر حجمها بين 10 و15 مليار دولار. كما يشمل ذلك إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس لنقل النفط العراقي إلى الساحل السوري بطاقة تصل إلى مليون برميل يومياً، ما يعزز من دور المنطقة كممر استراتيجي لإمدادات الطاقة العالمية.
بدائل استراتيجية عالمية
يشدد الدكتور عربش على أن هذه المشاريع تكتسب أهمية إضافية في ظل التحديات التي تواجه الممرات البحرية التقليدية، ولا سيما مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي. ومن هنا، فإن تطوير ممرات برية بديلة عبر المشرق العربي يشكل خياراً استراتيجياً لتعزيز أمن الطاقة العالمي، ويتكامل في الوقت ذاته مع مشاريع دولية كبرى مثل ممر الهند– الشرق الأوسط– أوروبا (IMEC) ما يرسخ موقع المنطقة ضمن شبكات التجارة العالمية الجديدة.
تعريف الدور الإقليمي
يؤكد الدكتور عربش أن المملكة العربية السعودية تسعى من خلال هذه الرؤية إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن العربي، بحيث يقوم على التكامل الاقتصادي والاستقرار المشترك. ويبرز في هذا السياق الدور المحوري لسوريا كحلقة وصل جغرافية واستراتيجية، يمكن أن تتحول إلى بوابة تجارية وطاقوية وزراعية تربط الخليج بأوروبا والعالم.
الرؤية الاستراتيجية
يخلص الدكتور عربش إلى أن تكامل مشاريع النقل والطاقة والأمن الغذائي يشكل أساساً لمرحلة جديدة من التعاون الإقليمي، تقودها المملكة العربية السعودية برؤية تستهدف تحقيق الاستدامة الاقتصادية وتعزيز مكانة المنطقة في الاقتصاد العالمي، عبر شبكة مترابطة من المصالح المشتركة التي تعود بالنفع على جميع الأطراف.