اللاذقية تستعيد دورها اللوجستي كممر إقليمي بين الخليج وأوروبا

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك:

بعد سنوات من التراجع، تعود المرافئ السورية تدريجياً إلى واجهة المشهد اللوجستي، مع استئناف حركة تصدير السيارات بنظام الترانزيت عبر مرفأ اللاذقية، في خطوة تعكس تحوّلاً اقتصادياً يتجاوز البعد التشغيلي نحو إعادة تموضع استراتيجي على خطوط التجارة الإقليمية والدولية.

وتندرج هذه العمليات ضمن مسارات نقل تربط دول الخليج العربي بالأسواق الأوروبية، في وقت تواجه فيه بعض الممرات التقليدية تحديات تشغيلية وزمنية، ما يدفع شركات الشحن إلى البحث عن بدائل أكثر كفاءة وأقصر مسافة وأقل تكلفة زمنية.

في هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم لـ«الحرية» أن استئناف حركة ترانزيت السيارات عبر مرفأ اللاذقية يمثل تطوراً اقتصادياً نوعياً يعيد إبراز ميزة جغرافية ظلت معطلة لسنوات، تتمثل في قرب الساحل السوري من جنوب أوروبا، ويشير إلى أن المسافة البحرية من اللاذقية إلى ميناء جنوة الإيطالي لا تتجاوز 1500 ميل بحري بما يعادل خمسة إلى ستة أيام إبحار، وترتفع قليلاً باتجاه مرسيليا وبرشلونة، ما يجعل المرفأ بوابة طبيعية لحركة البضائع القادمة من المشرق والخليج نحو جنوب أوروبا.

ويضيف عبد الكريم: هذا الموقع يمنح ميزة تنافسية واضحة، إذ يمكن أن يختصر زمن تسليم الشحنات بنحو 10 إلى 14 يوماً مقارنة بالمسارات التقليدية، وهو عامل حاسم في سوق النقل البحري العالمي الذي يشهد توسعاً متسارعاً، حيث يتجاوز حجم نقل السيارات 23 مليون سيارة سنوياً بقيمة تفوق 18 مليار دولار، مع معدل نمو يقارب 4% مدفوعاً بزيادة صادرات الدول الصناعية في آسيا.

كما تستورد دول الخليج أكثر من 1.5 مليون سيارة سنوياً يُعاد تصدير جزء منها ضمن عمليات الترانزيت، ما يفتح أمام مرفأ اللاذقية فرصة فعلية للدخول في هذا التدفق العالمي إذا ما توفرت الشروط التشغيلية الملائمة.

لكن هذا التحول، بحسب عبد الكريم، لا يمكن أن يكتمل من دون تطوير البنية التحتية، سواء من حيث تجهيزات مناولة السيارات وساحات التخزين الواسعة، أو منحدرات “الرورو” المخصصة، إضافة إلى أنظمة الإدارة الرقمية لتتبع المركبات، في ظل منافسة قوية من موانئ المتوسط التي استثمرت بكثافة في هذا القطاع، كما يشدد على أن تحديث البيئة التشريعية بات ضرورة، من خلال تبسيط إجراءات الترانزيت وتقليص زمن التخليص الجمركي والانخراط في الاتفاقيات الدولية بما يرفع الكفاءة ويخفض التكاليف.

وعلى المستوى الاقتصادي الأوسع، ينعكس تنشيط الترانزيت بشكل مباشر على قطاعات النقل البري والوقود والتأمين والخدمات الجمركية واللوجستية، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية يسهم بنسبة تتراوح بين 6 و12% من الناتج المحلي في الاقتصادات المتوسطة، مع قدرة عالية على توليد فرص عمل وتأثير اقتصادي مضاعف يتجاوز قيمة النشاط المباشر.

وفي قراءة مكمّلة، يشير الباحث الاقتصادي عبد المنعم زاهدة إلى أن حركة الشاحنات العابرة عبر سوريا كانت تشكّل قبل عام 2011 كتلة تشغيلية مهمة تعكس الإمكانيات الكبيرة لهذا القطاع، لافتاً إلى أن الإيرادات المباشرة تبقى مرتبطة بآليات التسعير وحجم التشغيل، لكنها قد تصل إلى عشرات ملايين الدولارات سنوياً في حال استعادة النشاط، بينما تبقى القيمة الأكبر في الأثر غير المباشر على سلاسل اقتصادية واسعة.

ويخلص إلى أن الرهان الحقيقي لا يكمن في استئناف حركة الترانزيت فقط، بل في تحويلها إلى منظومة لوجستية متكاملة تعيد دمج سوريا في سلاسل التجارة الإقليمية، فالمرافئ لا تصنع قيمتها بالموقع وحده، بل بقدرتها على جذب الاستثمارات ورفع الكفاءة وبناء بيئة تشغيلية مستقرة، وعند هذه النقطة يتحول الترانزيت من مجرد عبور إلى أداة اقتصادية قادرة على إعادة رسم موقع سوريا في اقتصاد المنطقة، شرط أن تُدار الفرصة بعقلية تنافسية لا تنتظر، لأن سوق النقل العالمي لا تمنح هامشاً طويلاً للتأخر.

Leave a Comment
آخر الأخبار