الحرية– هناء غانم:
بعد سنوات طويلة من التراجع الاقتصادي والانكماش الحاد في حركة التجارة والاستثمار، تبدو سوريا اليوم أمام مرحلة جديدة من إعادة التموضع داخل الخارطة الاقتصادية العربية، فالعلاقات التجارية التي تضررت بفعل الحرب والعقوبات وتغير مسارات النقل الإقليمي، بدأت تستعيد جزءاً من حيويتها تدريجياً، وسط تحركات متسارعة لإعادة فتح قنوات التعاون الاقتصادي مع دول الجوار، وفي مقدمتها الأردن والعراق، إلى جانب مؤشرات متنامية على انفتاح خليجي متدرج تجاه السوق السورية.
هذا التحول لا يرتبط بالسياسة وحدها، بل يعكس عودة الاهتمام بالدور الجغرافي الذي طالما منح سوريا مكانتها الاقتصادية في المنطقة، بوصفها نقطة عبور استراتيجية تربط الخليج العربي بالعراق وتركيا والبحر المتوسط، وتشكل ممراً طبيعياً للتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا.
شراكة اقتصادية تعيد تنشيط المعابر والأسواق
في هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور باسم المصطفى، في حديثه لـ«الحرية»، أن البيانات الحديثة تعكس نمواً واضحاً في حجم التبادل التجاري بين سوريا والأردن خلال العامين الأخيرين، حيث ارتفع من نحو 116 مليون دينار أردني في عام 2024 إلى ما يقارب 334 مليون دينار في عام 2025، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف خلال فترة قصيرة نسبياً، ويرتبط هذا النمو بإعادة تنشيط الحركة التجارية عبر معبر نصيب– جابر، الذي يمثل الشريان البري الأهم بين البلدين، إضافة إلى تزايد حركة الشاحنات المتجهة إلى الداخل السوري أو العابرة نحو أسواق المنطقة.
وتتركز الصادرات الأردنية إلى سوريا في المواد الغذائية والمنتجات الصناعية ومواد البناء، بينما تصدر سوريا منتجات زراعية وبعض المواد الأولية، في وقت ينظر فيه إلى الأردن باعتباره بوابة لوجستية مهمة يمكن أن تمنح الصادرات السورية منفذاً أوسع نحو أسواق الخليج العربي.
أما العراق، فيبقى أحد أكثر الشركاء الطبيعيين ارتباطاً بالاقتصاد السوري، ليس فقط بحكم الحدود المشتركة الطويلة، وإنما أيضاً نتيجة التكامل الجغرافي والتاريخي بين البلدين، فقبل عام 2011، كانت العلاقات الاقتصادية السورية– العراقية تشمل حركة تجارية واسعة ومشاريع استراتيجية في مجالات النقل والطاقة، أبرزها خطوط النفط الممتدة نحو الساحل السوري، ورغم توقف تلك المشاريع خلال السنوات الماضية، عاد الحديث مجدداً عن إمكانية إعادة تفعيلها ضمن خطط إقليمية تهدف إلى تعزيز الربط اللوجستي والتجاري في المنطقة. ويشكل معبر البوكمال– القائم اليوم نقطة عبور استراتيجية للتجارة بين المشرق والخليج، في وقت يمثل فيه العراق، الذي يتجاوز عدد سكانه 40 مليون نسمة، سوقاً استهلاكياً كبيراً يمكن أن تستفيد منه سوريا بشكل واسع إذا تحسنت بيئة النقل والاستثمار.
عودة سوريا إلى خارطة التجارة الإقليمية
في موازاة ذلك، بدأت العلاقات الاقتصادية بين سوريا وبعض دول الخليج، خصوصاً الإمارات والسعودية، تشهد تحولات تدريجية نحو مزيد من الانفتاح. وتشير تقارير اقتصادية حديثة إلى ارتفاع حجم التبادل غير النفطي مع عدد من الدول الخليجية خلال عام 2025، بالتزامن مع دخول شركات تعمل في مجالات العقارات والبنية التحتية والخدمات اللوجستية.
يرى الدكتور المصطفى أن المرحلة المقبلة قد تحمل فرصاً أكبر لدخول استثمارات خليجية في قطاعات إعادة الإعمار والطاقة والنقل، خاصة مع تصاعد الاهتمام بإعادة دمج سوريا ضمن الشبكات الاقتصادية الإقليمية.
وأكد أن الموقع الجغرافي يبقى العامل الأكثر حسماً في مستقبل الاقتصاد السوري، موضحاً أن سوريا لا تُقاس حالياً بحجم إنتاجها الداخلي بقدر ما تُقاس بوظيفتها الاقتصادية الاستراتيجية.
وقال: «سوريا تمتلك واحدة من أهم المواقع الجغرافية في المنطقة، وهذا العامل وحده كفيل بإعادة تعريف دورها الاقتصادي إذا توفرت بيئة استقرار تدريجي، نحن لا نتحدث عن اقتصاد ضخم حالياً، بل عن وظيفة اقتصادية محورية، وأي تحسن في البنية التحتية سيجعل من سوريا حلقة وصل رئيسية بين العراق والأردن وتركيا والبحر المتوسط، وهو ما يفسر اهتمام الدول المجاورة بإعادة تفعيل العلاقات التجارية معها».
وأضاف: إن المرحلة القادمة لن تكون مجرد إعادة إعمار تقليدية، بل إعادة تموضع اقتصادي شامل لسوريا داخل النظام الإقليمي الجديد.
مفتاح التحول نحو مركز عبور استراتيجي
من جهته، أكد الباحث السوري أمين عليكو، في حديثه لـ«الحرية»، أن سوريا تمتلك موقعاً جغرافياً استثنائياً يجعلها بطبيعتها نقطة وصل بين آسيا وأوروبا والعالم العربي، وهو ما يمنحها فرصة حقيقية لاستعادة دورها كمركز اقتصادي وتجاري مهم في الشرق الأوسط.
وأشار إلى أن موقع سوريا بين العراق والأردن وتركيا، إلى جانب امتدادها على البحر المتوسط، يمنحها قدرة كبيرة على لعب دور محوري في حركة النقل والطاقة والتجارة الإقليمية، موضحاً أن المرحلة الحالية تفتح الباب أمام إعادة بناء الدور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للبلاد على أسس جديدة قائمة على الاستقرار والتنمية والتعاون مع دول الجوار.
ويرى عليكو أن تحسين العلاقات التجارية بين سوريا ودول المنطقة، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، يمكن أن يشكل نقطة انطلاق مهمة لإعادة تنشيط الاقتصاد في المشرق العربي، نظراً إلى الترابط التاريخي بين هذه الدول عبر شبكات التجارة والمصالح الاقتصادية المشتركة. وأوضح أن إعادة فتح خطوط النقل والتبادل التجاري تنعكس بشكل مباشر على تنشيط الأسواق، وتسهيل حركة البضائع، وخفض تكاليف الاستيراد والتصدير، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة وتحفيز قطاعات الإنتاج والخدمات.
وتماشياً مع ما تم ذكره، يشدد عليكو على أن قطاعات الزراعة والنقل والخدمات اللوجستية والصناعات الخفيفة والمتوسطة ستكون من أبرز القطاعات القادرة على قيادة مرحلة التعافي الاقتصادي في سوريا، خاصة إذا ترافقت مع استثمارات حقيقية في الطاقة والبنية التحتية والتعليم المهني والتكنولوجيا.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يزال الاقتصاد السوري يواجه تحديات كبيرة تتعلق بضعف البنية التحتية، وتراجع الإنتاج الصناعي والزراعي، والعقوبات الاقتصادية، إضافة إلى التغيرات التي طرأت على مسارات التجارة الإقليمية خلال السنوات الماضية.
ويجمع الخبراء على أن إعادة دمج سوريا في الاقتصاد العربي تتطلب استثمارات ضخمة في مجالات النقل والطاقة والموانئ، إلى جانب بناء بيئة اقتصادية أكثر استقراراً وانفتاحاً، قادرة على استعادة الثقة الإقليمية والدولية.
وبالرغم من كل التعقيدات، يبقى الموقع الجغرافي السوري عاملاً ثابتاً يصعب تجاوزه في أي معادلة اقتصادية تخص المنطقة، فمع كل خطوة نحو الاستقرار، تتعزز القناعة بأن سوريا قادرة على استعادة دورها الطبيعي كمركز عبور اقتصادي يربط الشرق بالغرب، ويعيد رسم خريطة التجارة والطاقة في المشرق العربي من جديد.