الحرية ـ سامر اللمع:
باتت الشركات العملاقة المنتجة لنماذج الذكاء الاصطناعي مثل غوغل وأنثروبيك تتهافت على طلاب الفلسفة لتوظيفهم برواتب سنوية مرتفعة قد تصل إلى ما بين 100 ألف دولار وربع مليون بسبب الحاجة الماسّة إلى من يضع معايير أخلاقية وإجابات عن أسئلة المستخدمين.
الهندسة وحدها لم تعد كافية
تتحدث تقارير إعلامية إلى أن شركات التقنية أدركت أن تطوير نماذج متقدمة لا يتوقف على كتابة الشيفرات، بل يحتاج إلى عقول تجيب عن أسئلة شائكة تتعلق بالحقيقة والتحيز واتخاذ القرار، وهي قضايا لا تفهمها الآلة بمفردها.
ففي نيسان الماضي، أعلن هنري شيفلين، الأستاذ في جامعة كامبريدج، انضمامه إلى «غوغل ديب مايند» بوظيفة رسمية حملت لقب «فيلسوف». وسيتفرغ شيفلين لأسئلة مثل: «هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يمتلك وعياً؟» و«ما العلاقة التي يجب أن تنشأ بين البشر والآلات؟».
وشفيلين ليس الوحيد حصل على هذه الوظيفة، فشركة «أنثروبيك» وظفت الفيلسوفة أماندا أسكيل، الحاصلة على دكتوراه من جامعة أكسفورد، لتصبح المهندسة الأساسية لما يُعرف بـ«دستور كلود»، وهو ميثاق أخلاقي يضع «اللاإضرار» و«الصدق» و«المفيد» كقيم مطلقة للذكاء الاصطناعي.
هذا الدستور الفلسفي هو الذي جعل نموذج «كلود» أقل انحيازاً وأكثر أماناً من غيره، ورفع قيمة الشركة السوقية.
كذلك شركة «أوبن إيه آي» تستشير مئات الفلاسفة الأخلاقيين في قواعد «تشات جي بي تي».
تحدي القرارات الأخلاقية
وفي السنوات العشر الماضية، كان تطوير الذكاء الاصطناعي مجرد مسألة هندسية: المزيد من الخوادم، والبيانات، والمعالجات، تؤدي إلى نموذج أفضل، لكن هذا النهج اصطدم بسقف حقيقي.
ولكن المشكلة ليست في أداء النماذج، بل في قدرتها على اتخاذ قرارات أخلاقية في سياقات غير مبرمجة مسبقاً.
فعندما يطلب منك الذكاء الاصطناعي اتخاذ قرار طبي، أو قانوني، أو سياسي، فإن «الخطأ» لم يعد مجرد خلل تقني، بل قد يصبح قضية وجودية تتعلق بالعدالة والتمييز والمسؤولية، وقد أظهرت الدراسات أن برامج الذكاء الاصطناعي يمكنها إعادة إنتاج التحيزات العنصرية والجنسية والدينية، وليس هناك حل تقني واحد لهذه المشكلة لأن «العدالة» ذاتها مفهوم فلسفي متعدد التفسيرات.
لذا، تعمد الشركات اليوم إلى الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات قد تفي بالغرض، لكن إذا كان من أوجد هذه الآلة عقل، فيصبح السؤال: من يحدد الخطأ من الصواب؟ ومن هو المرجع الذي يملي عليه أخلاقه؟ هذه الأسئلة لم تعد ترفاً أكاديمياً، بل أصبحت تحدياً تجارياً وأمنياً أساسياً، وربما تكون الإجابة عنها هي السبب في أن تصبح شركة ناشئة تساوي مليارات، أو أن يخسر نموذجك ثقة المستخدمين إلى الأبد.