القطاع الزراعي السوري.. قوة إنتاجية تبحث عن اقتصاد القيمة المضافة

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية ـ نهلة أبو تك :

يشهد القطاع الزراعي في سوريا اليوم تحوّلاً تدريجياً في موقعه داخل النقاش الاقتصادي، بوصفه أحد أبرز القطاعات القادرة على قيادة التعافي، عبر ما يمتلكه من قدرة على توليد فرص العمل وتعزيز الأمن الغذائي، في مقابل تحديات بنيوية لا تزال تحد من كفاءته وربحيته.

وفي تصريح لصحيفة «الحرية»، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور مصعب شبيب أن الزراعة السورية تمتلك مقومات قطاع استراتيجي قادر على المساهمة في التعافي الاقتصادي، لكنها لا تزال تعمل ضمن منظومة غير مكتملة من حيث الدعم والإنتاجية وسلاسل القيمة، ويقول شبيب إن «القطاع الزراعي لا يعاني من ضعف في الإمكانات الطبيعية، بل من فجوة في البنية الاقتصادية التي تبدأ من الطاقة والأسمدة ولا تنتهي عند ضعف البنية التحتية والتسويق».

ويضيف شبيب أن أي مسار لإعادة إحياء الزراعة لا يمكن أن يقتصر على تحسين الإنتاج فقط، بل يجب أن يتجه نحو إعادة هندسة كاملة لمنظومة الدعم والإنتاج، بما يضمن رفع الكفاءة وتحسين العائد الاقتصادي للفلاح والاقتصاد معاً.

ثروة زراعية واسعة.. واستثمار غير مكتمل

تتمتع سوريا بتنوع مناخي وزراعي يسمح بإنتاج طيف واسع من المحاصيل، من الحبوب والقطن إلى الزيتون والحمضيات والفستق الحلبي والنباتات الطبية والعطرية، ما يمنح القطاع قاعدة إنتاجية واسعة.

وتبرز زراعة الزيتون كأحد أهم أعمدة الاقتصاد الزراعي، إذ تمتد على نحو 700 ألف هكتار وتشكل ما يقارب 12% من الأراضي المزروعة، وتوفر دخلاً لنحو 300 ألف أسرة، إلى جانب أكثر من 100 مليون شجرة زيتون، ما يجعلها من أكثر المحاصيل ارتباطاً بالاقتصاد الريفي ومعيشة السكان.

ورغم هذه القاعدة الإنتاجية، يشير الباحث الاقتصادي  إلى أن المشكلة لا تكمن في حجم الإنتاج، بل في محدودية تحويله إلى قيمة اقتصادية مضافة، موضحاً أن المنتجات السورية تمتلك ميزات تنافسية واضحة، سواء في زيت الزيتون منخفض الحموضة أو الحمضيات والقمح القاسي، لكنها لا تزال تُسوّق بشكل خام من دون تطوير كافٍ لسلاسل التصنيع والتوضيب والتصدير.

من جهته يرى المستثمر الزراعي ميسرة الحجي أن سوريا تمتلك عناصر جذب استثماري حقيقية، قائمة على خصوبة الأراضي وتنوع المناخ وقربها الجغرافي من الأسواق الإقليمية، لكنها بحاجة إلى بيئة تشغيلية أكثر استقراراً ووضوحاً.

تحديات بنيوية تعيق التحول

وبالرغم من وفرة المقومات، لا تزال الزراعة السورية تواجه تحديات بنيوية تؤثر على كفاءتها، في مقدمتها تفتت الملكيات الزراعية، ما يحد من إدخال التكنولوجيا الحديثة ويقلل من كفاءة الإنتاج.

كما يشكل ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والمبيدات عبئاً مباشراً على الفلاح، بالتوازي مع تراجع شبكات الري والمكننة الزراعية، ما ينعكس سلباً على الإنتاجية النهائية.

وفي ذات السياق يشيرالخبير الاقتصادي شبيب إلى أن تقلبات سعر الصرف، ونقص اليد العاملة الزراعية، وضعف التخطيط الزراعي، عوامل إضافية جعلت القطاع الزراعي أقل قدرة على المنافسة وأكثر هشاشة أمام الصدمات الاقتصادية.

القيمة المضافة.. الحلقة الغائبة

المعضلة الأساسية في الاقتصاد الزراعي السوري لا ترتبط بالإنتاج، بل بغياب سلاسل القيمة المضافة، فمعظم المنتجات تُطرح في السوق بصورتها الخام، دون المرور بمراحل تصنيع أو تخزين أو تحويل صناعي.

وتكمن الإشكالية، وفق شبيب، في غياب الربط بين الزراعة والصناعة، إذ يمكن تحويل الزيتون إلى زيت وصابون وطاقة، والحمضيات إلى عصائر ومركزات، والمخلفات الزراعية إلى أعلاف وأسمدة عضوية، وهو ما يرفع القيمة الاقتصادية للمنتج أضعافاً مقارنة ببيعه خاماً.

التصنيع الزراعي.. نقطة التحول

يمثل التصنيع الزراعي المدخل الأهم لإعادة هيكلة القطاع، باعتباره الحلقة التي تحول الإنتاج من مادة أولية إلى قيمة اقتصادية فعلية، فكل مرحلة إضافية بعد الحصاد، من التوضيب والتجفيف والتعليب وصولاً إلى التصنيع الغذائي، تعني ارتفاعاً في العائد الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

بيئة الاستثمار الزراعي

رئيس غرفة زراعة دمشق محمد جنن  يرى أن تحفيز الاستثمار الزراعي يتطلب إصلاحات تنظيمية وتشريعية، أبرزها تفعيل قانون الزراعة التعاقدية، وإنشاء سجل زراعي حديث، إلى جانب تخفيف الرسوم على مستلزمات الإنتاج وتوسيع قنوات التصدير.

ويشير إلى أن المنتج السوري يمتلك سمعة جيدة في الأسواق، لكنها تحتاج إلى منظومة مؤسسية ولوجستية قادرة على تحويل هذه الميزة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

هل تصبح الزراعة «النفط الأخضر»؟

وحسب شبيب، تمتلك الزراعة السورية مقومات إنتاجية واضحة، لكنها لا تزال تعمل ضمن نموذج يعتمد على بيع المواد الخام أكثر من إنتاج القيمة، وبينما تملك البلاد قاعدة زراعية متنوعة وخبرة تراكمية وموقعاً جغرافياً مهماً، فإن التحول إلى «نفط أخضر» يبقى مرهوناً بالانتقال من اقتصاد الإنتاج الخام إلى اقتصاد القيمة المضافة، القادر على خلق دورة اقتصادية أكثر استدامة.

وعند هذا التحول فقط، يمكن للزراعة السورية أن تنتقل من قطاع تقليدي إلى رافعة اقتصادية حقيقية تسهم في التعافي الاقتصادي وتوليد فرص العمل وتحسين الاستقرار المعيشي في الريف السوري.

Leave a Comment
آخر الأخبار