شجرة البطم.. كنز بري يحفظ ذاكرة الريف ويحتاج إلى الحماية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – نورما الشيباني:

تُعد شجرة البطم من الأشجار البرية الأصيلة المنتشرة في جبال الساحل عامة وريف محافظة طرطوس خاصة، وهي ليست مجرد شجرة حراجية عادية، بل تمثل جزءاً مهماً من التراث البيئي والغذائي والطبي الذي ارتبط بحياة الإنسان الريفي عبر أجيال طويلة.

أنواع البطم واستخداماته

وبحسب خبير الأعشاب فائز حسن، عضو الجمعية العلمية السورية للنباتات والأعشاب الطبية، ورئيس جمعية الزعفران في قرية تلة، فإن شجرة البطم تنقسم إلى عدة أنواع، أبرزها بطم الحراج الذي ينمو بين أشجار السنديان في المناطق الحراجية، وبطم الأراضي الزراعية الذي ينتشر في الحقول والبيئات الريفية المفتوحة.

ويشير حسن إلى أن هذه الشجرة كانت في الماضي تُستخدم كبديل طبيعي للعرايش، نظراً لقوة أغصانها وقدرتها العالية على التحمل، كما عُرفت ثمارها بطعمها المميز وقيمتها الغذائية، حتى اعتبرها الأهالي من ألذ الثمار البرية من حيث النكهة وقربها من طعم العنب البري.

وتنتشر شجرة البطم بشكل واسع في ريف طرطوس، حيث تُعد من الأشجار المتكيفة مع البيئة المحلية، إذ تتحمل الجفاف وتنوع الظروف المناخية، وتنمو في أنواع مختلفة من التربة، ما جعلها عنصراً ثابتاً في المشهد الطبيعي للمنطقة منذ مئات السنين.

استخدامات متعددة في حياة الريفيين

ولم تقتصر أهمية البطم على ثمارها فقط، بل امتدت لتشمل استخدامات متعددة في حياة الإنسان الريفي، فقد استُخدمت أوراقها قديماً في تغليف منقوع الكشك، لما توفره من حماية طبيعية من الحشرات، إضافة إلى منحها رائحة عطرية مميزة تضفي نكهة خاصة على المنتج.

كما استُخدم خشبها في التدفئة، وأغصانها في بناء العرائش والعرزال، فيما دخل زيت بذورها في بعض الصناعات التقليدية مثل الصابون والشامبو ومواد العناية بالشعر.

كما استُخدمت بذور البطم في إعداد بعض أنواع المعجنات، حيث كانت النساء يضفنها إلى خبز التنور لما تحمله من قيمة غذائية، إلى جانب كون ثمارها مصدراً غذائياً مهماً للطيور البرية، ما يجعلها عنصراً داعماً للتوازن البيئي والتنوع الحيوي في المنطقة.

ويضيف حسن أن زيوت البطم خضعت لعدد من الدراسات العلمية التي بحثت في مكوناتها وخصائصها، مع وجود اهتمام متزايد بإمكانية الاستفادة من مركباتها في مجالات دوائية مختلفة، كما عُرفت الشجرة في الاستخدامات الشعبية التقليدية بخصائصها القابضة، حيث استُخدمت في بعض العلاجات المرتبطة بالجروح والمشكلات الجلدية البسيطة.

تهديدات تواجه الشجرة

ورغم هذه الأهمية البيئية والاقتصادية، تواجه شجرة البطم اليوم مجموعة من التهديدات، أبرزها القطع الجائر بهدف تأمين الحطب للتدفئة، إضافة إلى انتشار بعض الآفات الحشرية مثل حشرة الجادوب، ما يهدد استمرارية وجودها في عدد من المناطق الريفية.

وفي الوقت نفسه، لا تزال بذور البطم تشكل مصدر رزق موسمي لبعض الأسر الريفية التي تعتمد على جمعها وبيعها، إلا أن التراجع الملحوظ في أعداد الأشجار خلال السنوات الأخيرة يفرض ضرورة ملحة لحماية هذا الإرث الطبيعي والحفاظ عليه.

ذاكرة الريف وهويته

ويؤكد عدد من أهالي ريف طرطوس أن شجرة البطم ليست مجرد مورد طبيعي، بل هي جزء من الذاكرة الشعبية والحياة اليومية، إذ تُستخدم ثمارها في إعداد الكشك وتجفيفه، كما تُستعمل أوراقها في حفظه ومنحه نكهة مميزة. ويعتبرون أن الكشك المحضّر بوجود البطم «أطيب وأغنى رائحة» من غيره، وأن فقدان هذه الشجرة يعني خسارة جزء من طعم الريف القديم وذاكرته المتوارثة.

فشجرة البطم تبقى شجرة صديقة للبيئة، تسهم في تنقية الهواء، وتمنح البراري جمالها ورائحتها الفريدة، وتشكل جزءاً من هوية ريف طرطوس الطبيعية، ما يجعل الحفاظ عليها ضرورة بيئية وثقافية للأجيال القادمة.

Leave a Comment
آخر الأخبار