أسس الحوار الإيجابي بين فن الإصغاء وإدارة القلق.. مهارات تخلق توازناً بين العلاقات والصحة النفسية

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – د. رحيم هادي الشمخي:

لإيقاظ المشاعر الإيجابية في الحوار، يجب الابتعاد عن استخدام العبارات الهدّامة، وعدم الإصرار على أننا نمتلك الحقيقة دون الآخر، ولابد من أن نعلم أن للحوار الإيجابي عدة صفات: يجب أن يكون موضوعياً، يهتم بالموضوع وليس بالشخص، وواقعياً، يبحث في الواقع قبل أن يؤوّل الأحداث، ومتفائلاً، لا يفترض سوء الظن ويتلمّس الأفضل، وصادقاً، لا يُخادع ولا يكذب، والأهم أن يكون متكافئ الطرفين، يحترم كل طرف الآخر ولا يستعلي عليه، للحوار منطق، ولسان حاله البحث عن الحق لاتباعه، ولا بد لكل حوار من مرجعية، وإلا تحوّل إلى جدال مزعوم.

بداية الحوار من المشتركات

عندما تجلس العائلة، من أين يبدأ الحوار؟ لنبدأ في كل حوار بالمسافة المشتركة بينك وبين الآخر، ولا تذهب إلى الاختلاف مباشرة.

فعلى سبيل المثال، من الخطأ أن نبدأ حوار الأبناء بالخطأ مباشرة، فهذا يعمل على تضليل وعي الحوار، لنبدأ بما نحن نشترك به، بكلمات المحبة والتعاون والاهتمام، ثم نعرض ما نريد عرضه، وإغناء الحوار وإدارته من أجل الوصول إلى تقريب وجهات النظر والتعرف على الآخر، الكثير من الاختلاف في وجهات النظر إنما يعود إلى قناعات أو مفاهيم خاطئة أو ناقصة لبعض القيم الإنسانية، كما يعود إلى طريقة التفكير النمطي الذي يعطي الأفكار والأشخاص والمواقف أحكاماً مسبقة تقوم على أساس من الرؤية الشخصية.

فن الإصغاء.. مفتاح التفاهم

من أسس التفاهم المثمر والجيد أن نميز بين المسائل الجوهرية والثانوية، لا تعرقل المحدث، وأعطِ الوقت والانتباه، وتحقق هل فهمت القصد جيداً، إن فن الإصغاء أثناء الحوار يحمينا من الوقوع أسرى أفكارنا المسبقة أو انفعالاتنا، كما إن التواصل البصري والتركيز على لغة الجسد له أهمية بالغة، والإصغاء بهذا المدلول يعني أكثر من التقاط الإشارات الصوتية، وكذلك أكثر من فهم ما يقوله الآخر، إنه يعني أن أدرك أن الآخر يود أن يقول لي شيئاً مهماً بالنسبة إلي، شيئاً عليّ أن أفكر فيه، ولا بد لنا من أن نتقن مهارة الإصغاء إلى النفس أيضاً وإلى الآخر من أجل المعرفة والتقدم إلى الأمام.

وبالحوار المثمر تأتي الاستجابة البناءة، وهي التي تدفع المتحاورين للوصول إلى مزيد من نقاط التفاهم واستمرار اللقاء، بالبعد عن الحوار الفوقي والوعظ وتعليم الآخر ما ينبغي عليه فهمه، لما لذلك الأسلوب من أثر تنفيري يُفقد صاحبه المصداقية ويسيء إلى الأفكار ولو كانت صحيحة.

التوتر والقلق.. كيف نتعامل معهما؟

أحياناً، وهذه أمور يومية لا يمكن لأي شخص الابتعاد عن خصائصها وتأثيراتها النفسية والاجتماعية، فيرتقي التوتر أحياناً إلى مرحلة يجعل فيها استبصار الشخص الحلول التي تؤدي إلى حل المشكلات ضعيفاً، وغير قادر على التركيز على حجم المشكلة وأبعادها، والتي يمكن أن تؤثر سلبياً على أدائه، فليس من المعقول أن نعاني عند ظهور كل مشكلة بالمعيار نفسه من خوف وقلق واضطراب في حياتنا اليومية، يصبح الإنسان دائم التوتر وسهل الاستثارة لأتفه الأسباب، فلا راحة له في مجال عمله أو دراسته أو حتى مع نفسه، فالقلق سمة هذا الإنسان.

وتكون معالجة هذا السلوك الاضطرابي بإعادة بناء الثقة بالنفس، وتقييم الشدّات وعدم المبالغة بها، ورفض الانسياق وراء وساوس تشاؤمية، والتركيز على المشكلة وحجمها وتأثيراتها على الشخص وعلى الآخرين، فإذا كان المقصود هنا القلق على الأولاد من ناحية الدراسة أو المرض، فلا ضير أن نعتبره أمراً يومياً يمكن أن يحدث، فأداء الإنسان يختلف من وقت لآخر، وتحصيل النتائج الجيدة لا يمكن أن نعتمده كمعيار دائم.

استراتيجيات التخفيف من القلق

لا بد من استهلاك الضائقة النفسية بشكل إيجابي كخطوة أولى، وهي الوعي بالنفس ووقف الأفكار المزعجة بمجرد أن تبدأ التصورات بأن هناك بوادر لظهور حالات القلق المزعجة، كما أن تمارين الاسترخاء يمكن تطبيقها في تلك اللحظة التي يدرك فيها بداية الشعور بالقلق، وممارستها يومياً، وإذا سمح للقلق أن يتكرر مراراً دون مقاومة، فإنه يكتسب قوة في الإقناع، وهنا لا بد من مقاومته بالمحاكمة العقلية وبالتفكير الصحيح والمنطقي والواعي، وعندها ستبعد الفكرة المسببة للقلق وعدم أخذها كحقيقة ثابتة. وهنا نحتاج مساعدة الآخر، وإن العاطفة الإيجابية تساعد على الشفاء.

ولا بد من إضفاء حالة إيجابية محببة لنا، لنجعل إضاءاتنا على الأمور مقبولة بمعاييرها، حيث إن أثر القلق السلبي مدمّر يعطل طاقة الإنسان، والحفاظ على مستوى طبيعي من القلق الإيجابي، كما إن البدائل من نشاطات مختلفة، من رياضة وفنون متنوعة، هي إيجابيات تؤدي إلى تخفيض درجة القلق.

أما الجانب المهم، فهو أثر الروحانيات، وهو تغذية الروح بالاطمئنان والعيش بتوازن نفسي.

القلق بين الوظيفة الطبيعية والاضطراب المرضي

وهكذا، يمكن القول: إن القلق هو آلية طبيعية وصمام أمان يساعد الإنسان من خلال وظيفته الإيجابية، لأنه يدفعه للنشاط وتحسين ظروفه وحماية نفسه، ولكنه يمكن أن يتحول إلى اضطراب أو مرض عندما يكون شديداً أو مزمناً، عندها يكون مرضاً يستدعي السيطرة عليه ويحتاج للعلاج.

*أكاديمي وكاتب عراقي

Leave a Comment
آخر الأخبار