الحرية – د. رحيم هادي الشمخي:
يسجل واقع الثقافة العالمية اليوم فزعاً غير معلن، لكنه يحتل اهتمام المختصين والمتابعين، بل بلغت حدته أعلى المعدلات على مقياس «ريختر الثقافة»، فالواقع الثقافي العالمي بات يشهد هزّات بصرية متلاحقة تزلزل أسس الذائقة الإنسانية، وترسم ملامح جديدة للعلاقة بين الفرد والجمال والمعرفة.
الفرد في مواجهة الطوفان البصري
مع انطلاق القرن الحادي والعشرين، وجد الفرد نفسه يدور في فلك انسلخ عن جاذبية الشعر والرواية والقصة، في ظل هيمنة الصورة التي جعلت منه متلقياً سلبياً، لا يكلف نفسه عناء القراءة، بل يكتفي بتقليب أزرار جهازه لمشاهدة ما يعرض عليه من أفلام وبرامج وصرعات موضة.
وفي هذا السياق، توصلت معاهد الاستبيان والمعلومات التي تتعامل مع لغة الأرقام إلى أن المشكلة الأكبر في أيامنا هذه هي تراجع الرواية والشعر أمام سيادة التفوّق البصري الذي حققه التلفزيون ومحطات الأقمار الصناعية والفيديو.
الفرد بين الاستفادة والتنصل
المفارقة أن الفرد، وهو أناني بطبيعته، لم يعد يعبأ بمن هو الرابح أو الخاسر في المناوشات الفكرية بين الفرقاء الثقافيين، ما يهمه أنه يبقى خارج اللعبة الخطرة، وأن يكون أول المستفيدين وآخر المتضررين. وقد أدرك جيداً أنه وحده في العراء، بينما تحصّنت بقية الإمكانيات الثقافية والعلمية في كمائن، مما جعله يبتعد عن مناطق الصراعات الساخنة، خوفاً من أن تُصيبه شظية تجعله غير قادر على تلمّس طريقه إلى متعة حواسه.
صراع الشعر والرواية في غياب الجمهور
في غفلة من هذا الفرد، تدور معارك أدبية بين الشعر والرواية، يسجل فيها أحد الفريقين إصابات، ويتلقى الآخر ضربات قوية، بينما يمارس النقاد ما تبقى لهم من سلطة ثقافية في متابعة بورصة النصوص المنشورة ومدى تأثيرها على مسيرة التفكير السائد.
وفي خضم ذلك، يعلن قائل منهم أن القراء انحازوا إلى الرواية والتفتوا إلى الشعر بغضب، لكن السؤال الأهم: من يبالي؟ الفرد بدأ يتنصل من حاسة سمعه لصالح عينيه، فلا الشعر ولا الرواية يهمانه، بل الصورة هي التي تمنحه المتعة بلا عناء.
جهود عربية للحفاظ على الكتابة
رغم هذا الطوفان البصري، استطاعت بعض الدول العربية مثل سورية والعراق ومصر تطوير مهام التقنيات الحديثة بما يتفق مع الحفاظ على بيئة الكتابة والتدوين الأدبي والتاريخي، وذلك بالتنسيق مع المجمعات العلمية في البلدان العربية والاتفاق مع منظمة “يونسكو”، كما تحولت النشاطات الأدبية إلى تراث زاخر لدى الباحث العربي، في محاولة لموازنة تأثير الصورة مع ضرورة الحفاظ على الكلمة المكتوبة.
الكمبيوتر خطر على العلوم الإنسانية
غير أن التطور التكنولوجي الكبير، الذي فاق في أدائه الواقع الثقافي، شكل خطراً حقيقياً على العلوم الإنسانية مثل القصة والشعر والأدب، خاصة في أوروبا حيث ظهرت أجهزة فردية تمنح المستخدم متعة دون تعب، مما جعل الفرد ينصرف عن القراءة والتفكير النقدي، ويدفع بالثقافة الإنسانية نحو هامش مظلم قد لا ينجو منه إلا من يدرك أن الكلمة ما زالت أقوى من الصورة، وأن العين مهما اتسعت لا تغني عن القلب والعقل في تلقي الجمال.