النباتات العطرية في الرستن.. «كنز أخضر» يبحث عن صناعة وتسويق

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – إسماعيل عبد الحي:
في الريف الشمالي لمدينة حمص، تنمو النباتات الطبية والعطرية كواحدة من أهم الثروات الزراعية. ورغم قدرتها على تحقيق عائد اقتصادي مرتفع، وانخفاض احتياجاتها المائية مقارنة بالمحاصيل التقليدية، لا تزال هذه الزراعة تواجه صعوبات تثقل كاهل المزارعين، أبرزها ضعف التسويق، وغياب الصناعات التحويلية، وتأثيرات التغيرات المناخية.

أهمية النباتات العطرية في الرستن

وأكد المهندس حسام بكور، رئيس دائرة زراعة الرستن، في تصريح لـ«الحرية»، أن قرى منطقة الرستن تعنى بزراعة المحاصيل الطبية والعطرية، وفي مقدمتها اليانسون الذي تشتهر بزراعته قرية أم شرشوح، إلى جانب الكمون المزروع في الرستن وتلبيسة والزعفرانية، فضلاً عن حبة البركة والكزبرة والشمرة، ومنذ عام 2017، تشغل هذه المحاصيل ما يقارب ثلث الأراضي الصالحة للزراعة في المنطقة، ما يعكس أهميتها الاقتصادية ودورها في دعم دخل المزارعين.
ورأى بكور أن انتشار هذه الزراعات لم يأتِ مصادفة، بل جاء نتيجة مجموعة من الميزات التي تتمتع بها النباتات العطرية، وفي مقدمتها ارتفاع مردودها الاقتصادي مقارنة بمحاصيل الحبوب، إضافة إلى انخفاض احتياجاتها من المياه، ما يجعلها ملائمة للأراضي البعلية والظروف المناخية الجافة. كما تتميز المنطقة بملاءمة تربتها ومناخها لإنتاج هذه المحاصيل بكفاءة عالية، إذ تشير الدراسات إلى أن إنتاجية بعض المحاصيل في ريف حمص الشمالي تتفوق على إنتاجيتها في مناطق أخرى، فضلاً عن مساهمة برامج التنمية الريفية في توفير البذار والإرشاد الزراعي للمزارعين.

تراجع في المساحات المزروعة

ورغم الميزات التي تتمتع بها هذه الزراعات، شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً في المساحات المزروعة نتيجة الظروف التي مرت بها البلاد، وما رافقها من صعوبات في الإحصاء والمتابعة، وتشير التقديرات إلى انخفاض المساحات المزروعة بنحو 30% مقارنة بالسنوات السابقة، بعدما كانت تتراوح بين 10 و20 ألف دونم عام 2017، كما أدى الجفاف وانحباس الأمطار إلى تراجع الإنتاج، خاصة أن معظم هذه المحاصيل يعتمد على الزراعة البعلية.
ووفقاً لخطة مديرية الزراعة للعام الحالي، بلغ الإنتاج هذا العام 360 طناً من الكمون، و1656 طناً من اليانسون، و570 طناً من الشمرة، و419 طناً من حبة البركة (إضافة إلى 8 أطنان منها بعلية)، و375 طناً من الكراوية، و992 طناً من الكزبرة.

عقبات الزراعة العطرية

يواجه مزارعو النباتات الطبية والعطرية عدداً من العقبات، أبرزها ضعف التسويق المنظم وتقلب الأسعار، ما يدفع الكثير منهم إلى بيع محاصيلهم بأسعار منخفضة للوسطاء، في ظل غياب التسويق التعاقدي وعدم توافر معلومات دقيقة عن الأسواق الخارجية.
وأشار بكور إلى أن مشكلة غياب الصناعات التحويلية لها أثرها السلبي على هذا النوع من الزراعة، إذ تُصدّر معظم المحاصيل خاماً دون الاستفادة من قيمتها المضافة عبر استخراج الزيوت أو تصنيع المستحضرات الدوائية والتجميلية، الأمر الذي يحرم المزارعين والاقتصاد المحلي من عوائد أكبر.
كما تبقى التغيرات المناخية، وفي مقدمتها الجفاف وتذبذب الهطولات المطرية، من أبرز التحديات التي تؤثر في الإنتاج، رغم قدرة هذه النباتات على تحمل الظروف الصعبة أكثر من غيرها.

فرصة حقيقية لزيادة دخل المزارعين

ورغم التراجع الذي يشهده القطاع، لا تزال النباتات الطبية والعطرية من أكثر الزراعات ربحية، إذ تشير التقديرات إلى أن الدونم الواحد كان يحقق عائداً يقارب 275 دولاراً في موسم 2017، مقارنة بنحو 36 دولاراً فقط لمحاصيل القمح والشعير خلال سنوات الجفاف.
كما تمتاز بانخفاض تكاليف الإنتاج، وإمكانية استثمار الأراضي الهامشية، فضلاً عن تنويع مصادر دخل المزارعين وفتح آفاق واسعة للتصدير، في ظل الطلب العالمي المتزايد على هذه المنتجات.
وتمتلك الرستن جميع المقومات التي تؤهلها لتكون من أبرز المناطق السورية في إنتاج النباتات الطبية والعطرية، إلا أن تحويل هذا «الكنز الأخضر» إلى قطاع اقتصادي مستدام يتطلب رؤية متكاملة تقوم على دعم المزارعين، وتطوير منظومة التسويق، وتشجيع الصناعات التحويلية، وتوفير التمويل والإرشاد الزراعي. فمع الاستثمار الصحيح، يمكن لهذه المحاصيل أن تتحول من زراعة واعدة إلى ركيزة حقيقية للتنمية الزراعية والاقتصادية في المنطقة.

ثروة زراعية متعددة الاستخدامات

تتميز النباتات الطبية باحتوائها على مواد فعالة تدخل في علاج الأمراض أو التخفيف من أعراضها، بينما تحتوي النباتات العطرية على زيوت طيارة تستخدم في صناعة العطور ومستحضرات التجميل والمواد الغذائية.
ويجمع العديد من هذه النباتات بين الصفتين، الأمر الذي يمنحها قيمة اقتصادية وصناعية كبيرة، ويجعلها من أكثر المحاصيل طلباً في الأسواق المحلية والعالمية.

Leave a Comment
آخر الأخبار