الحرية – منال الشرع:
يعد امتلاك وسيلة نقل خاصة في المجتمعات المعاصرة ضرورة حيوية لا ترفاً، فهي الشريان الذي يربط الفرد بعمله وتعليمه واحتياجاته الاجتماعية، إلا أن هذا الحق البديهي تحول في الحالة السورية إلى «حلم بعيد المنال» يواجه عقبات اقتصادية وهيكلية معقدة، جعلت من فكرة شراء سيارة تحدياً يفوق القدرة المالية للغالبية العظمى من المواطنين.
أسئلة مشروعة
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا سوق السيارات في سوريا أسعارها ما زالت ثلاثة أضعاف الخليج والدول المجاورة؟ يوضح الخبير الاقتصادي محمد مشعل، في حديثه لـ«الحرية»، أنه مع بدء مرحلة التعافي وتحسن الحركة التجارية، لا يزال المواطن السوري يصطدم بجدار أرقام فلكية عند تفكيره بشراء سيارة، والمفارقة الصادمة تتجلى في أن أسعار السيارات داخل السوق السورية ما زالت تسجل ثلاثة أضعاف – وأحياناً أكثر – قيمتها في أسواق دول الخليج والدول المجاورة كلبنان والأردن.
أسباب حقيقية لارتفاع أسعار السيارات
ووفق مشعل، هناك خمسة أسباب حقيقية وراء هذا التضخم:
– الحظر المستمر على الاستيراد في الزمن الماضي، حيث يعود السبب الرئيس والظاهر إلى قرار تجميد ومنع استيراد السيارات السياحية والجديدة منذ سنوات طويلة، وهو قرار اتخذ لحماية احتياطي النقد الأجنبي، ما شلّ حركة تدفق السيارات الحديثة، وحوّل السوق المحلية إلى “بحر مغلق” يعتمد بالكامل على تدوير السيارات القديمة والمستعملة الموجودة أصلاً داخل البلاد.
– اتساع الفجوة بين العرض والطلب، حيث يعاني السوق نتيجة لمنع الاستيراد من شح خانق في المعروض مقابل طلب مستمر ومتزايد بفعل التزايد السكاني والحاجة للتنقل. وفي علم الاقتصاد، عندما ينعدم المعروض ويرتفع الطلب، تقفز الأسعار بشكل عشوائي، وهو ما جعل سيارات مصنعة في تسعينيات القرن الماضي أو بدايات الألفية تباع بأسعار تشتري أحدث الموديلات في دول الجوار.
– الرسوم الجمركية والمالية المرتفعة، حيث تفرض القوانين المالية والجمارك رسوماً مرتفعة جداً عند نقل الملكية، بالإضافة إلى تكاليف الفراغ والتسجيل السنوي، وحتى في حالات دخول بعض السيارات عبر منافذ معينة، فإن الرسوم المفروضة تتجاوز أحياناً القيمة الحقيقية للسيارة نفسها، وتضاف هذه المبالغ تلقائياً إلى السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
– تحول السيارات إلى «مخزن للقيمة»، حيث أصبحت السيارات، خاصة الكورية واليابانية المرغوبة، أصولاً وملاذات آمنة لحفظ المدخرات وبديلاً عن العملات الأجنبية أو الذهب، ما دفع الملاك للتمسك بأسعار مرتفعة لضمان عدم خسارة القيمة الشرائية لأموالهم.
– كلفة وصعوبة الشحن واللوجستيات، حيث تواجه سلاسل التوريد وقطع الغيار الداخلة في صيانة وتجهيز السيارات المستعملة تكاليف شحن بري مرتفعة، ورسوماً وتأمين عبور عبر الحدود، فضلاً عن تعقيدات العقوبات الاقتصادية المفروضة التي ترفع كلفة أي عملية تجارية بنسب مضاعفة مقارنة بدول الخليج ذات الأسواق المفتوحة والجمارك المنخفضة.
توصيات
وبناءً على هذه المعطيات، وحسب مشعل، فإن أسعار السيارات في سوريا لن تشهد تقارباً مع دول الجوار والخليج إلا في حال صدور قرارات حكومية جريئة تتيح الاستيراد المنظم، وتخفض عبء الرسوم الجمركية، لكسر الاحتكار الداخلي وضخ دماء جديدة في شرايين سوق السيارات المتهالك.